للحجارة حكاياتها مذ خلق الله الكون بكواكبه ونجومه ومجرّاته. وإذ ظلّت الصخور والأتربة على طزاجتها الأولى في أنحاء كونية مختلفة، إلا أنها اتخذت في كوكبنا أشكالاً تزخر بالقصص، وفي كل عصر كانت تروي لنا حكاية أو تتلو على مسامعنا أمثولة. والحجارة نشبهها وتشبهنا، فكلانا مكوّن من ماء وطين، وهي بيوتنا التي حفرنا عليها ابجديتنا الاولى، وآوينا اليها لتحمينا من قسوة الطبيعة ومخلوقاتها، منذ كان أجدادنا الأوائل يسكنون الكهوف ملاذاتهم الفطرية، كأنهم كانوا يرنون منذ البدء إلى السقوف والجدران لتكتم أسرارهم وتغطي أستارهم وتمنحهم استمرارية العيش. وبغريزتهم البدائية أشعلوا نارهم من احتكاك حجرين وأقاموا حفلات الشواء لأول مرة على طرائدهم التي كانت تفترسهم في كل حين. وللحجارة روائح متنوعة، لايضاهيها عبير الزهور.. وأجملها تلك التي نشتم عطرها ونشهد التماعها تحت ضوء الشمس بعد الشتوة الاولى. اما «الكدّان» المنحوتة من صخور الجبال والتي استخدمها الريفيون البسطاء في بناء منازلهم الضئيلة، والأثرياء في تشييد قصورهم المنيفة، فهي حجارة تختلف كثيراً عن الحصى المتناثرة على السواحل البحرية، أو تلك الاسمنتية التي «فبركتها» الآلات الحديثة بقوالب جاهزة وبلا روح ولا رائحة. وللحجارة ذاكرة طفولة لا يمحوها تقادم الزمن .. ركوع الكسالى في دروس التربية الدينية على كوم من الحصى في زاوية الفصل المدرسي، وحفر ذكريات العشق الاول على الجدران الكلسية، وانتقاء الصبية لها، ثم تراصفها البديع في لعبة «بيت بيوت» الشهيرة مع بنات الجيران. كانت الحجارة رمزاً لشقاواتنا نحن عصابات الأمس في أزقة القرية. أتذكرها الآن وهي تنهال على «رضيّة» تلك المرأة المجنونة المتشرّدة التي شاء حظها العاثر ان تسلك دروب ديارنا .. كما لا أنسى ذلك المشهد، حين دفعت احداهن ثمن خطيئتها فتساقطت عليها الحجارة، فيما كان يتم الطواف بها على دابّة أمام الناس. والحجارة هي .. هي .. لم تتغيّر، فيما تبدّل أسلوب استخدامها، كما لو أنني أراها الآن تشجّ رأس أحد أترابي الذي غالباً ما كان يسقط جريحاً في تلك «المعارك»! حتى أنا لم أنجُ من جراحها، وآثارها مازالت ماثلة على جسدي. وأذكر ان اول عملية خطف تعرّضت لها تمّت اثر معركة بالحجارة دارت بين ثلة من صغار قريتنا وصبية من قرية مجاورة، يومها احتجزني «الأعداء» الى اليوم التالي، حيث أطلق «سراحي» بعد تدخل «العقلاء»! ومرة ثانية .. كانت الحجارة سبباً في اعتقالي، حين اندلعت مواجهة مع قوات الاحتلال في بلدتنا الجنوبية، ووضعنا صخوراً كبيرة في الطرقات لعرقلة تقدّم الدبابات الغازية، ثم أمطرْنا الجنودَ بالحجارة من كل صوب وكانت الحصيلة سجناً وأول تمرين على المعاناة الحقيقية. حفرنا مع أبي وأخوتي بئر الطفولة، وشيدنا بحجارتها جداراً للحديقة، اما بئر الحقل التي تشكّلت بأزميل جدّي، فقد أغرقها الجاحدون بالحجارة بعد أن شربوا مياهها! والحجارة كانت أدوات لأغراض عدة وأفعال متعددة في تلك الأيام الغابرة وكانت أسلحة .. قام ناس ذلك الزمان بنحتها ووضعها على رؤوس الحراب لمواجهة الوحوش الكاسرة، أما العقاب الإلهي للظالمين فكان في إحدى صوره بالحجارة، وقد جاء في الآية الكريمة : «ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل» صدق الله العظيم. والحجارة التي كانت تماثيل للآلهة، ورموزا لكبار العظماء والقادة هي ايضا في ذاكرتنا وذاكرة من عبروا، تتجدد دائماً في توصيف الحياة والتاريخ والامكنة، فها هو محمود درويش شاعرنا العربي الكبير الذي ابدع اعذب شعره في مدينة الحرية بيروت.. قال عنها: «.. تفاحة للبحر نرجسة الرخام فراشة حجرية.. بيروت شكل الروح في المرآة وجه المرأة الأولى ورائحة الغمام..» والحجارة نبض وطن... فقبل سنين طويلة، كنا ثلة نستغل العطلة المدرسية الاسبوعية لنساعد جنود الوطن في بناء التحصينات والمواقع، أو نذهب الى حقولنا لنقتلع الصخور من بين الأشجار، ونبني بشظاياها درعا حجريّة لحماية التربة والزرع، أو نعمل في بساتين الأثرياء المجاورة، «ننظفها» فتكون مكافأتنا نقودا على قدر الاحجار التي نجمعها. والآن .. هناك في أرض كنعان الطيبة، يجدّد فتية فلسطين كل يوم وعدهم بأن الوطن باق والاحتلال الى زوال ويمارسون هوايتهم المحبّبة في جبه الجنود الغرباء بالحجارة، وذخيرتهم متوفرة دائماً من الحقول والصخور وبقايا البيوت المجروفة. هو الحجر روح ناطقة وشاهدة على حضارات بادت، وهو ذكرى طفولة وشقاوة وسلاح حرية أيضاً. Email: ismail_haidar@yahoo.com