دخل أغلب المسلمين في أنحاء العالم موسم عبادة وتبتل بصيام شهر رمضان ابتداء من يوم أمس الجمعة، وبعيداً عن ذلك فإن هذا العالم وفي شهر رمضان هذا العام والأعوام التي سبقته سيظل مفطراً طوال الأربع والعشرين ساعة على حديث السياسة وقوات التحالف ومصير أفغانستان، وأين ذهبت قوات طالبان، وأين يختفي أسامة بن لادن؟ بعيداً عن ذلك نقول لكل القراء: صباح الرضا والكرم والنهارات الحلوة، فهذه بدايات رمضان الحميمة، رمضان هذا الشهر الذي يطل علينا كعادة قديمة جداً وعيناها منذ ان وعينا أسماءنا، وجوه أمهاتنا وأسماء أصدقائنا القدامى، وبيوتنا العتيقة، رمضان هذا الزائر القديم، الحميم، هذا الضيف الشغيف الخفيف، يطل كل عام حاملاً معه تعاليم العبادة والصبر، من خلف غيوم الأيام المكفهرة بالحروب والعداوات وقهر الضعفاء، يأتي ليكون قطرة ندى، ورشة عطر، يأتي كعابر سبيل عزيز وغال، لا يطيل المكوث لكنه حينما يرحل يسرق القلب ويختفي! صباح الخير والعبادة.. صباح النهار الجميل والمساءات الأجمل، ولا شيء ننتظر أجمل، ولا كلام يقال أجمل، فهنيئا لنا جميعاً وحمداً لله على فضله ومنه وكرمه. انظر إلى تفاصيل اليوم خلال هذا الشهر الكريم، واتذكر الصغار الذين كانوا نحن.. أتذكر تقافزنا في الأحياء، وتنقلنا بين البيوت، اتذكر تلك الأطباق التي كنا نحملها للجيران، متغامزين فيما بيننا رغبة في التهام شيء منها، لكننا كنا دائماً نخاف من الكبار. أتذكر رحلة المشي الطويلة إلى المسجد بصحبة النساء الذاهبات لصلاة التراويح، الأم والخالة والجدة والجارة، وصحبة الصغار المتضاحكين دائماً بسبب وبلا سبب، واعود أنظر إلى صغارنا اليوم متكومين أمام التلفاز بكسل ينتظرون في اللاشيء، ويزدادون انغماساً في متاهات الاعلام وبرامجه السقيمة ساعات وساعات، بينما يطل الخدم حاملين الاطباق ومتنقلين بها بين البيوت! واتذكر بأنه ما من رمضان مر على طفولتنا العذبة إلا وكان جميلاً ودافئا، فلا أخبار عن حروب ولا مجازر ولا شهداء ولا قنابل تصب حممها وظلمها على المساكين والفقراء والعراة والحفاة، أين كان يختبئ كل هذا القهر، وكل هذه الغطرسة؟ فهل كانوا يخبئونها لطفولة اليوم الشقية؟ منذ سنوات ونحن نجتر حزننا على أهلنا في العراق، وكل رمضان نقول سوف يرتفع البلاء عنهم، وسينفك الحصار عنهم، فلا يحدث شيء سوى استمرار الحصار واستمرار الموت والدمار، ولا أحد يقول شيئاً طالما الحاكم بأمره يريد ذلك! وبعد عشر سنوات من مأساة العراق يطل رمضان هذا العام على مأساة الأفغانيين، وتنطوي صفحة من العمر الطويل على الاخوة في فلسطين وهم يصومون على أصوات المدافع واقتحام الدبابات ويفطرون على جنازات الشهداء وهدم البيوت.. يا إلهي ارحمنا وارحمهم.. واجعل لهم من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً. Aisha@albayan.co.ae