من شاهد مباراة كرة القدم التي أقيمت في الأرجنتين الأسبوع الماضي لوداع لاعبها الأسطوري «دييجو أرماندو مارادونا» قد يختلط عليه الأمر حول الواقع الذي تعيشه تلك البلاد التي كانت يوما مرشحة لأنتاج القمح واللحوم التي تكفي العالم كله، وكانت حلم الهجرة لكل الباحثين عن فرصة عمل مضمون، وإذا بها تتحول إلى دولة فقيرة مثقلة بديون بلغت 140 مليار دولار، ويقف شعبها في طوابير تمتد لكيلومترات أمام السفارات الأجنبية استجداء لتأشيرة من أي نوع تسمح له بالهروب من البلاد بحثا عن حياة أفضل. لكن تلك المباراة يمكن أن تكون أيضا نموذجا يكشف عن الوضع في الارجنتين، وربما كانت حياة بطل الحفل اللاعب الأسطوري «ماردونا» نفسه صورة كاريكاتورية لتاريخ بلاده المعاصر، ذلك اللاعب الذي حقق شهرة واسعة، وتوج كأفضل لاعب في بلاده قبل أن يكمل السادسة عشرة من عمره، ثم توج بطلا عالميا في الثامنة عشرة، ليصبح بعد ذلك افضل لاعب في العالم، وفاقت شهرته أساطير أخرى في كرة القدم مثل «بيليه» البرازيلي، أو دي ستيفانو الأرجنتيني أيضا. ثم سرعان ما بدأت الظلال تحيط به مبعدة الأضواء عنه وهو في قمة شهرته ليهوي في جب إدمان المخدرات، وارتكاب جميع الموبقات التي يجب أن يتجنبها أي رياضي إذا كان يريد الحفاظ على بقائه على القمة، والغريب أنه كان يفعل ذلك بمحض إرادته كما يقول المحيطون به رغم تحذير الأصدقاء، وفي تحليل من يعرفونه أن تصرفاته تلك ناتجة عن ذلك الطفل الفقير المجهول الذي لم يكن يجد قوت يومه وإذا به يتحول إلى مليونير شهير تركع أمامه الجميلات، وتحيط به المافيات، وتفتح أمامه الأبواب، ويشرف حفلات رؤساء الدول والسياسيين، ثم وصل به الحال إلى انه كثيرا ما كان يرفض مجرد الرد على مكالمة هاتفية لرئيس الدولة. ربما كان هذا تاريخ الأرجنتين ذاته، كما كان ماردونا مجهولا في حي فقير، فقد كانت الأرجنتين بلدا مجهولا لا تذكره مذكرات الفاتحين الأسبان، لأنهم لم يعثروا فيه على الذهب والفضة كما عثروا عليهما في المكسيك والبيرو وغيرهما من تلك البلدان، أما أراضيه الخصبة الخضراء الشاسعة فلم تكن تلفت أنظار المغامرين الجدد القادمين من أوروبا، لأنهم ليسوا على استعداد للهرب من البطالة في أوروبا للعمل المضني في بلاد العالم الجديد، مهما كانت تلك الأراضي خصبة، كان يحلمون بالثراء الذي تمرغ فيه المغامرون الأوائل. وكما عض الجوع مارادونا وأسرته فهرب إلى الملاعب بحثا عن لقمة العيش فوجد المجد والمال والشهرص، ثم عندما عض الجوع الشعوب الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية هرب بعضها باتجاه الأرجنتين بحثا عن أي شئ يقيهم ذلك الجوع، ومن سخرية القدر أن الأرجنتين كانت وجهة معظم اليهود الهاربين من الاضطهاد النازي، أو على الأقل من البلدان المعادية لهم في أوروبا جميعها، لأن النازي لم يكن وحده النظام الرافض للوجود اليهودي، بل أن معظم الشعوب الأوروبية كانت وما زالت ترفض اليهود ونفوذهم وتغطرسهم، كانت الأرجنتين أيضا قبلة النازيين الألمان الهاربين من مطاردات البوليس الأوروبي والمحاكمات التي كانت تعقد لهم بذنب أو غير ذنب، وهناك وجدوا المأوى والمال. اجتمع مع هؤلاء الباحثين عن حياة جديدة بعيدة عن أهوال الهرب في أوروبا مهاجرون من بلاد أخرى كانت تبحث عن فرص جديدة في الحياة، وربما كانت الأغلبية للسوريين واللبنانيين الذين كانوا يصلون بأعداد كبيرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، عندما كانت معظم الدول العربية لا تزال تعيش في ظل الحكم العثماني ولو اسما، لذلك كانوا يطلقون على هؤلاء القادمين من الشام اسم «الأتراك» لأنهم كانوا يحملون جوازات سفر عثمانية. وبما أن معظم المهاجرين الجدد لم يكونوا على شاكلة المغامرين الأوروبيين الأوائل الباحثين عن الذهب والفضة، فقد وجدوا في ربوع الأرجنتين الغنية بالأراضي الخصبة والمياه المتدفقة سبيلا إلى إقامة مجتمع زراعي ينتج القمح واللحوم التي زادت عن حاجة المنتجين فبدأت تأخذ طريقها نحو التصدير وأغرقت العالم، ومن منا لا يذكر في بلاد مثل مصر مثلا أن معظم اللحوم المستوردة للتخفيف من أزمة الأغذية بعد كارثة 67 كانت مستوردة من الأرجنتين، وكانت تباع بأسعار رخيصة. وكما كان مارادونا النجم ضحية للمافيا التي تعاقدت معه للعب في إيطاليا تحقيقا لمصالح خاصة بها على حساب اللاعب، فأنتهي إلى الهيروين، والترهل الجسدي، وكاد يقضي عليه بعد أن أصيب بأزمة قلبية وهو دون الأربعين من عمره، ولم ينقذه منها إلا صديقه فيدل كاسترو الذي فتح له مستشفيات كوبا، ووضع تحت تصرفه أفضل ما تمتاز به كوبا في مجال الطب. تكالبت قوى الشر على الأرجنتين للسيطرة على الموارد الغذائية، ولذلك لعبت تلك القوى المتمثلة في الشركات الأمريكية الكبرى دورا مهما في القضاء على مخزن الغذاء العالمي في الأرجنتين، وكانت الخطوة الأولى خلق حالة من القلق السياسي لا تسمح للبلاد بالبقاء على حالة الإنتاج العالية، ولاستمرار هذا الوضع كان لا بد للجوء إلى العسكر الذين كانوا يتناوبون على الحكم طبقا لأجندة تضع واشنطن تواريخها. الأسوأ في تلك الأجندة، أن الحكم العسكري كان ينفذ المطلوب منه بغض النظر عن تأثير ذلك على الحالة الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وتحت حكم العسكر تم القضاء تماما على حالة الاستقرار والأمن التي كان يعيشها الشعب الأرجنتيني بكل فئاته وأعراقه، فبدأت الهجرة من الريف إلى المدن تزداد، وتفاقمت الأزمة الناتجة عن هذه الهجرة، فالأرض الخصبة لم تعد تجد من يزرعها، والمدن تضخمت ولم تعد قادرة على استيعاب المزيد. بعد كارثة أخر حكم عسكري والهزيمة المنكرة التي لقيتها «الخونتا» الحاكمة في حربها من اجل استعادة جزر «المالفين» (الفولكلاند) أمكن العودة إلى الحياة شبه الطبيعية في ظل نظام ديمقراطي غربي النمط اعتقد البعض أنه الحل. لكن خلال فترة حكم الرئيس «راؤول ألفونسين» كان نفوذ العسكر لا يزال قائما في البلاد، فكانت الحكومة الديمقراطية تمارس عملها وعينها على معسكرات الجيش، ثم جاء الرئيس كارلوس منعم ليقدم للعسكر «شيكا على بياض» من خلال قانون «نقطة النهاية» ليسمحوا له بممارسة الحكم في هدوء. لكن إعفاء العسكر من المحاكمة لم يكن في صالح الأرجنتين، لأن الجراح الاجتماعية كانت غائرة ولا يمكن لها أن تلتئم بترك القاتل طليقا بينما الضحية لا تزال تشاهد القاتل يوميا خلال ممارسة حياتها. إذا كان علاج مارادونا في كوبا نجح إلى حد ما في وضع حد لأزمته الصحية لكنه لم ينجح في علاج ترهله الجسدي الذي شاهده العالم خلال مباراة تكريمه الأخيرة، فإن الجرح في المجتمع الأرجنتيني كان غائرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ولم يكن تصلح معه المسكنات، خاصة أن من يحاولون قلقلة الأوضاع الداخلية من الخارج تحولت أيديهم للعب بالسياسيين تماما كما كانت تلعب بالعسكر من قبل. في ظل رئاسة الرئيس كارلوس منعم في فترته الأولى أمكن تحقيق بعض الاستقرار، ولكنه استقرار «اصطناعي» يسمح له بالمطالبة بالبقاء في الحكم لفترة ثانية وهو ما كان الدستور يحرمه، لذلك امتدت أيدي السياسيين إلى الدستور والعبث به حتى تسمح لكارلوس منعم بالبقاء في الحكم لفترة ثانية. وبدلا من تحقيق مزيد من التقدم قرر الرئيس منعم ان يستغل الفترة الثانية للإثراء على حساب الجماهير التي انتخبته، فانتشر الفساد والرشوة والمحسوبية، وأصبح الرئيس ورجاله مهمومون بالتجارة في السلاح أكثر من اهتمامهم بحل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي كانت تضرب البلاد ضربات متتالية حتى أصبحت عملتها تفقد نصف قيمتها ما بين يوم وليلة، وكانت الأسعار تقفز ما ليلة وضحاها بأكثر من 20 في المئة يوميا. عندما نجح الرئيس الحالي «فرناندو دي لا روا» في إبعاد المرشح البيروني، خليفة كارلوس منعم، عن حكم البلاد اعتقد البعض آن الأرجنتين وجدت علاجا لأزمتها المزمنة، مما يجعلها تحصل على هدنة وتفيق من واقعها المرير لتعود إلى ما يشبه ماضيها المجيد، لكن الديون الخارجية التي تراكمت خلال الحكم الديمقراطي للبلاد إضافة إلى الديون القديمة كانت قد بدأت تفعل فعلها، وتحول الأرجنتين إلى مجرد منتج لتسديد جزء من فوائد الديون، فيما أصل الدين يتزايد. وصل الوضع إلى مرحلة حرجة بعد أن هددت المؤسسات المالية الدولية بإعلان إفلاس الأرجنتين، ولإنقاذ الوضع كان على الرئيس الجديد أن يقترض مزيدا من المال، فكان القرض الضخم الذي بلغ 40 مليار دولار ضربة قاضية، بدلا من تسكين الوضع زادت من حدته، فقد تم إنفاق القرض في تسديد ديون خارجية سابقة، أي أن الدين زاد مرة واحدة حوالي 30 في المائة دون أن يدخل البلاد دولار واحد، واصبح على الشعب الأرجنتيني ان يتحمل عبء قرض بلغ 140 مليار دولار. إذا كان مارادونا قد خرج من الملاعب إلى الأبد، بعد أن ألقى الزمن والإدمان بثقله على كاهله، وجره إلى الظل الأبدي الذي قد يخرج منه إلى نور الشهرة من وقت إلى آخر، ولكن ليس في الواقع بل في التاريخ فقط، تحول اللاعب الأسطوري إلى جزء من التاريخ تاركا مكانه لآخرين قد يحتلونه في المستقبل، فإن الأرجنتين كدولة لا تستطيع أن تدخل «متحف التاريخ» لأن هناك شعبا يعيش فيها ولا يمكنه إلا أن يستمر. لكن المستقبل، أو على الأقل المستقبل القريب، لا يحمل كثيرا من الخير للأرجنتين التي كانت يوما منبعا للخير، فإضافة الى الديون والأزمة الاقتصادية والبطالة، فإن تجاذب سياسييها بين اليمين واليسار والبحث عن تحقيق مصالح حزبية خاصة يجعلها على حافة الإفلاس الكامل. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا