قديما في زمن الشح والجوع نظر فلان الى قبة السماء، كانت صافية واضحة فيها بقايا قمر صغير بدأ يرحل نحو الزوال، استشعر أن هلالاً جديداً قد اقترب، ذهب إلى السوق، إنه عامر في حكم ذلك الزمن، أما واقع حاله فلا شيء فيه غير ضرورات لابد منها :حطب للطبخ والتدفئة، انها بقايا جذوع وأغصان يابسة من أشجار (السمر) أو حتى (الرمث) شرائح من السمك الجاف معلقة أو مغموسة في الماء المالح إنها خير زاد للصيف والشتاء، وللبدو الذين لا يأتون للساحل إلا مرة أو مرات معدودة في العام. في السوق أيضا فحم أسود محروق في البادية، ويعتبر أغلى تجارة تحملها ظهور الابل من عالم الصحراء، قد توجد بعض الملابس المصبوغة والمصنوعة يدويا، قد تتوفر في بعض الأوقات حصر ملونة في مقاس واحد وأدوية شعبية، وقد يعرض فيه شيء من العسل والسمن البلدي وللمبادلة اكياس من الأرز والقهوة. وأهم ما في السوق التمر المعروض فيه إنه مطلوب من البدو والحضر، فهذه الحبات السوداء من ضرورات العيش عندهم تجدها عند كل وجبة، وفي المواعيد التي لا تكون فيها وجبات، إنها حاضرة مع دلة القهوة، يبدأ بها قبل الفجر، وتلازمه طوال اليوم في البيت وخارجه. فلان جاء إلى السوق يبحث عنها، أخذ جرابا كاملا لم يشتر غيره، إنه غال.ويعتبر محظوظا وثريا في (الفريج) لأن عنده جراب من التمر. أخفى بضاعته وعاد إلى البيت مسرعا، لم يرغب أن يشاهده أحد، كي لا يقاسمه، ولكي أيضا لا يولّد عند هذا الأحد الشعور بالحاجة أو الغيرة والحسد. إنه يريد أن يأكل تمره بصمت، يريد أن يشبع هو وحده فقط. دخل بهدوء إلى منزله، شاهدته زوجته، لم يرفع صوته خوفا من آذان السكيك والجيران، اقترب منها وهمس لها، احفظي هذا الجراب لرمضان، لا تعطي منه أحدا، لا تخبري عنه أحداً، لا تنسي ما قلته لك. تركها وذهب مطمئنا أن زوجته ستحفظ سره وستنفذ وصيته، وقد فعلت. ارتفع صوت خارج باب فلان، فأجابت الزوجة مستفسرة عن هوية طارق بابها. فعرّف الضيف نفسه أنه رمضان. فردت عليه الزوجة ان فلان غير موجود في البيت، واستدركت لكنه أوصاني بالأمانة، وفتحت له الباب، وناولته جراب التمر، قائلة ان زوجها أوصاها ذلك. فوجيء الضيف لكنه شكرها، وحمل العطية فرحا، إنها رزق لم يبحث عنه. عاد فلان، تلقته زوجته لم تترك له فرصة للحديث، اخبرته أن المهمة انتهت وأن رمضان جاء وأخذ الجراب. تغير لون فلان، جف ريقه، حل فيه كرب عظيم، لم يقدر على الجلوس وما عاد يستطيع الوقوف: ماذا عملت يا امرأة؟ جراب التمر اشتريته لشهر رمضان! غاب الجراب واختفى شخص رمضان وجاء الشهر وذهبت حكاية فلان وزوجته مثلا يضرب: (يا رمضان دوك يرابك) أي خذ جرابك. فوائده في هذا الزمان من أعظم آيات رمضان في هذا العصر أنه يجمع الناس، يقارب بين قلوبهم- قلوبهم التي غيرتها الحياة واتعبها اللهاث خلف سراب القشور. لا تجد القلوب متسعا من الوقت لتتلاقى، إنها تحن في حالات إلى التقارب والجو الإجتماعي، تشعر بالضياع لأنها ضيعت الأسرة والجماعة والاصدقاء ولحظة اللقاء. هذا التحول والتباعد يؤثر عليها، يجعلها تفقد أسمى معاني سعادتها وطمأنينتها، تبدو غريبة ووحيدة، تنتظر لحظة صحوة وساعة لقاء. عندما يأتي رمضان تشعر أنها لا تزال حية تكون ممتنة له، انه أعادها إلى ألفة الاجتماع والتزاور، وأن هناك ما هو أهم من الركض خلف الحياة، وهو الشعور بالحياة.الجلوس إلى الأهل والأصحاب والأقارب الذين لا نعرفهم جيدا، لأننا لم نرهم منذ زمن طويل. لحظة فطور أو ساعة صلاة أو فترة يقضيها الفرد ينتظر السحور عابدا أو جالسا في بيته أو بين رفاقه زمن يساوي الحياة . من فضائل رمضان في هذا العصر أيضا أنه يعلم الإنسان الصبر. فحياة الفرد أصابها داء العجلة في كل شئونها: حركته سريعة، أكله سريع، نومه كذلك، صلاته أيضا، يركض في كل شيء ولا يدري إلى أين، دائم التوتر، يحسب الوقت ولا تنتهي أعماله أو رغباته. رمضان يزوده بالصبر في الصوم والعباده والعمل والسلوك، ومع هذا الزاد يعرف قيمة الراحة وعظمة الصبر. ماذا سنأخذ من رمضان، نحتاج أن نحدد الهدف كي نكسب. ومع أنه شهر كامل إلا أنه يمر كيوم قصير سريع. يوم جميل لا يعوض.. ولايعود.