ربما يكون النفط العربي من أهم العوامل الحيوية التي تشكل طبيعة وتوجهات التحرك السياسي للولايات المتحدة تجاه العالم العربي، لكن أمن اسرائيل يبقى هو الاساس الصلب لانطلاق السياسة الامريكية، ليس نحو المنطقة العربية فحسب بل ايضا المنطقة الاسلامية والعالم بأسره. ولو تأملنا هذه الحقيقة فإننا نتفهم دون صعوبة ما ورد هذا الاسبوع على لسان الاكاديمي الامريكي الشهير صامويل هنتنجتون من ان بوسع الولايات المتحدة ان تساعد في تجنب صراع محتمل بين الغرب والاسلام اذا نأت بنفسها عن اسرائيل حليفها الوثيق. شهرة هنتنجتون كفيلسوف سياسي معاصر بدأت في عام 1993 عندما نشرت له مقالة بحثية عن «صدام الحضارات» يقول فيها انه وقد ولّى عهد الحروبات العالمية بين كتل ايديولوجية او كتل اقتصادية لفسح المجال لنوع جديد من الحرب. فالحرب المستقبلية على المدى البعيد سوف تكون تعبيرا عن صدام بين حضارات متصارعة. واذ يقسم هذا الاكاديمي الامريكي العالم الى سبع حضارات متنافسة، هي الغربية والاسلامية والكونفشيوسية (الصين واليابان) والهندية والسلافية الاورثوذكسية (روسيا وبعض اجزاء اوروبا الشرقية) والامريكية اللاتينية والافريقية، فانه يقول ان اقرب حضارتين الى الصدام المستقبلي هما الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية. وبما ان هنتنجتون يرى ان الدين هو اساس تحديد الهوية الثقافية لاي حضارة، فانه من هذا المنظور يعّرف الحضارة الغربية بأنها تراث مشترك يربط المسيحية مع اليهودية. الآن، وبعد ثماني سنوات من عرضه هذا الطرح الفلسفي ـ السياسي الجريء، هل يراجع هنتنجتون نفسه من خلال ما اعلنه الاسبوع الماضي في سياق محاضرة من ان الصدام الحضاري بين الغرب والاسلام لن يكون بالضرورة حتميا اذا ابتعدت الولايات المتحدة بنفسها عن اسرائيل ـ الدولة اليهودية؟ لا اعتقد ذلك .. ولا اعتقد ان هنتنجتون يناقض نفسه بين طرح الامس وطرح اليوم. طبيعة الحرب الكونية تغيرت بحيث ان الحرب العالمية المستقبلية اذا وقعت فان الاصطفاف والاصطفاف المضاد فيها لن يكون كالحرب العالمية الاخيرة 1939 ـ 1945 كصراع ايديولوجي بين الديمقراطية والفاشستية من خلال كتلتين من الدول، وانما سوف يكون بين حضارتين تمثل كل منهما هوية دينية مختلفة. واذ قال صمويل هنتنجتون بذلك عام 1993 فانه لم يقل بحتمية هذه الحرب المستقبلية، اما ما يقوله الآن فهو من قبيل التكملة، بمعنى ان مثل هذه الحرب يمكن تجنبها اذا توافرت شروط للتعايش الحضاري، ومن هذه الشروط، فيما يتعلق بالصراع بين الحضارتين الغربية والاسلامية، يقول الفيلسوف الامريكي، ان تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن اسرائيل. وتأسيسا على تعريفه للحضارة الغربية بأنها تراث مشترك بين المسيحية واليهودية، فان من الواضح ان ما يعنيه هنتنجتون تصريحا بعد ان صاغه تلميحا هو ان تفصم الولايات المتحدة، باعتبارها التجسيد الاعظم للهوية الثقافية الغربية بوجهها المسيحي، نفسها عن الهوية اليهودية حتى تستطيع بذلك تحرير ثوابت وتوجهات سياستها الخارجية تجاه العالم العربي والاسلامي من الالتزام الدائم باعتبارات امن الدولة الاسرائيلية وهو التزام ينفذ عمليا على حساب العرب والمسلمين. فهل هذا التحول يمكن الحدوث؟ هنا نجد انفسنا بازاء معضلة عملية لا قضية فلسفية فلكي تتخلص الولايات المتحدة من العبء الاسرائيلي فانه يتعين على الشعب الامريكي اولا ان يقتنع بأن ولاء الاقلية اليهودية الامريكية المتنفذة موجه بالدرجة الاولى لصالح الدولة اليهودية، حتى لو تطلب ذلك تضحية من حين لآخر بالمصالح القومية للشعب الامريكي.