منذ الحادي عشر من سبتمبر واجواء الحرب مستمرة على كل صعيد في الولايات المتحدة. وقد شجعت عملية استمرار وصول رسائل الانثراكس على اشعار الامريكيين بوجود حرب يجري خوضها في الولايات المتحدة وفي خارجها، ويمكن الاستنتاج من مشاهدات المرحلة بأن الانتصار الامريكي المتوقع في افغانستان لن ينهي المرحلة، بل سيكون فاتحة المرحلة التي تتطور كل يوم وتأخذ ابعادا جديدة في ظل تطور الاحداث وتشعبها. بمعنى آخر لا يوجد تصور نهائي للمرحلة، ولا يوجد فكر قائد للطريق الذي ستسلكه الولايات المتحدة، ولكنها ككل الحروب تتطور وفق افعال وردود افعال، في ظل اختلاف بين مدارس كل منها لديه قراءة مختلفة للمستقبل. بمعنى آخر سيسجل التاريخ بان احداث 11 سبتمبر المؤسفة هي بداية لمرحلة جديدة، من الصعب التنبؤ بكل تطوراتها وبكل منعطفاتها وبحجم التغير الذي ستخلفه في منطقة الشرق الاوسط وفي الولايات المتحدة. ومن مظاهر هذه الحرب استمرار الحشد العسكري في منطقة الشرق الاوسط. ومن مظاهر هذه الحرب تعيين مسئولين جدد في دوائر للاعلام الامريكي للمساعدة على ايصال الرؤية الامريكية للاحداث الى العالم الاسلامي، ومن مظاهر هذه المرحلة وجود ميزانيات جديدة بهدف ادامتها في مجال الاستخبارات وفي مجال تحريك الجيوش وتوجيه العمليات. وهذا يؤكد بأن الاحداث مستمرة العام الراهن والذي يليه، بمعنى آخر لن ينجح الرئيس الامريكي في اعلان انتصار حاسم في هذه الحرب في فترة قريبة، وسيجد انه مضطر لتوسيعها لتشمل اهدافا جديدة بما يلبي طموحات الرأي العام الامريكي المتعطش لتحقيق انتصار امريكي واضح المعالم، بغض النظر عن امكانية او عدم امكانية تحقيق هذا الانتصار الحاسم. ويقول بعض ممن يقدمون النصح للادارة الامريكية من الخبراء الاستراتيجيين: بان العالم الاسلامي لن يتعاطف مع الولايات المتحدة حتى لو حلت القضية الفلسطينية، لان حلها لن يحرر كل الارض ولن يقدم كل شيء، وسوف يبقي اسرائيل في موقع المتفوق. ويقولون لها ايضا بان تحريرها لبلدين اسلاميين هما الكويت والبوسنة ومواجهتها للارهاب الصربي المسيحي لم يكسبها دعم وتعاطف العالم الاسلامي كما لم يكسبها تعاطف ودعم سكان الدول التي ساندتها الا لفترة مؤقتة، وذلك بفضل نفوذ الحركات الاسلامية التي حرضت الشارع وغيرت اتجاه الرياح في معظم العالم العربي والاسلامي لهذا يقول اصحاب النصح اليوم للولايات المتحدة بانها يجب ان تحزم امرها فتسعى لتحقيق كل اهدافها دون الالتفات الى المعوقات او الى الصداقات العربية لانها ليست ثابتة. ويقول لها الكثير من الخبراء بانها سوف تفقد كل مصداقية تجاه ما تبقى لها من اصدقاء اذا لم تذهب بمعركتها حتى النهاية، وان النصر الوحيد الممكن لها هو في مجال شمولية المعركة وليس حصرها في افغانستان. ويقول الناصحون للادارة الامريكية بانه يجب ألا تكرر خطأها الذي مارسته عام 1991. من حيث سعيها للمحافظة على الامر الراهن في كافة الدول العربية بما فيها العراق. ففي حرب الولايات المتحدة لتحرير الكويت عام 1991 اعادت الولايات المتحدة كل شيء الى عهده السابق: في كل من العراق وفي كل من الكويت وفي منطقة الخليج والعالم العربي عاد كل شيء الى سابق عهده، وان التغير الوحيد الذي حاولت ان تحققه هو في مجال السلام العربي الاسرائيلي. ولكن هجمات سبتمبر الماضي اسقطت سياسة الامر الراهن الامريكية لانها لم تمنع من موت الوف الامريكيين في يوم واحد. وبالتالي تحققت اسوأ مخاوف الولايات المتحدة من دعمها للعديد من الدول العربية ومن تصديها للنظام العراقي وغيره. وبالتالي هناك اليوم مزيد من القناعة الامريكية باستحالة العودة الى نظام ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، وان النظام الجديد يشمل تحديا للامر الراهن في منطقة الشرق الاوسط. بمعنى آخر يقول الناصحون للادارة الامريكية بانها ان لم تفعل ذلك فسوف تعاني من كارثة جديدة بعد اقل من عشر سنوات من الآن، وان الكارثة الجديدة سوف تكون من نمط استخدام اسلحة الدمار الشامل في المدن الامريكية. اذن هناك في الاجواء الامريكية العامة وفي اجواء الخطاب الامريكي ما يقترب من كونه صراعا مفتوحا على المسائل التالية: اولا صراع مفتوح على وضع منظمة القاعدة والنظام الحاكم في افغانستان. ثانيا، صراع مفتوح على مستقبل التنظيمات الاسلامية المسلحة في العديد من الدول العربية بما فيها حركة حماس وحزب الله، بكل المصاعب التي تنجم عن هذا الامر مع السلطة الفلسطينية والدولة اللبنانية. ثالثا، صراع مفتوح حول دور الحركات الاسلامية الاكثر تشددا في الدول العربية خاصة من حيث التمويل والقدرات المالية وعنف الطرح. رابعا صراع مفتوح حول وضع الانظمة السياسية العربية من حيث عدم سماحها للمعارضة بان تستوطن في بلادها مما ينتج تحول المعارضة الى معارضة عنيفة تعيش في لندن واوروبا والولايات المتحدة. في هذا تدخل الولايات المتحدة في صراع مفتوح مع المنطقة على كل شيء وحول كل مسألة، انها مرحلة جديدة، وما نشاهده اليوم هو بدايتها. ـ استاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت