في اوائل مايو عام 1948 كان البيت الامريكي الابيض مشغولا بمناقشة قضية هامة طرحت نفسها على الاجندة السياسية لادارة الرئيس الامريكي وقتها «هاري ترومان» هذه القضية كانت الاعتراف او عدم الاعتراف، بكيان سياسي نشأ في قلب منطقة الشرق الاوسط تحت اسم «اسرائيل». يومها نصح الجنرال «جورج مارشال» صديقة الرئيس ترومان بان لا تعطي الولايات المتحدة اعترافها السياسي باسرائيل كان «مارشال» قد تقاعد عن السلك العسكري بعد دوره القيادي المشرف خلال الحرب العالمية الثانية .. ولكنه لم يفقد نظرته الاستراتيجية الى مشاكل عالمه وقضايا عصره، وخاصة في فترة مابعد الحرب الكونية وهي التي شهدت ـ كما هو معروف ـ بدايات الحرب الباردة. وكان من اهم الاسباب التي ساقها الجنرال مارشال في هذا الصدد هو الا تعمد واشنطن الى اغضاب العرب وهم سكان منطقة الشرق الاوسط بكل ما تحفل به في باطنها من كميات البترول الى حد يصل الى نحو ثلثي الاحتياطيات البترولية في العالم كله. وفي دراسة نشرتها مؤخرا كرستيان ساينس مونيتور، 26/10/2001 ينقل الكاتب الامريكي بيتر غرايز عن مرجريت ابنة الرئيس الامريكي القول بان قرار الاعتراف (الامريكي) باسرائيل كان من اصعب ماصادفه والدها من قرارات ان لم يكن اصعبها قاطبة خلال فترة ولايته كرئيس للولايات المتحدة. وبديهي ان الذي تغلب هو الرأى الذي ذهب وقتها الى مراعاة ان لم يكن مداراة الناخبين اليهود الذين يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي الذي ينتمي اليه الرئيس ترومان .. اين ذلك من اصوات العرب الذين لم يكن لا حجمهم ولا نفوذهم شيئا مذكورا وقتئذ على خارطة السياسة الداخلية الامريكية. وهكذا تغلبت المصالح المحلية على النظرة الدولية للولايات المتحدة . او فلنقل تغلبت اعتبارات التكتيك على اعتبارات الاستراتيجية.. ونال اعلان قيام اسرائيل اعتراف امريكا بعد 11 دقيقة فقط من هذا الاعلان وكان ذلك على وجه التحديد يوم 12 مايو عام 1948. استمرار اهمية البترول مع هذا كله ظل البترول عاملا محوريا وعنصرا حاكما من عناصر السياسة الامريكية يحتوي في ذلك ابعادها الداخلية والخارجية بحكم ان البترول وهو سلعة استراتيجية مطروحة على الصعيد الدولي وتمس قضايا السياسة الخارجية الا انه بداهة سلعة لازمة للاستهلاك المحلي الى درجة انها تمس الحياة اليومية للمؤسسات الانتاجية، والمنشآت الخدمية ومراكز البحث والتطوير القومية الى ان يصل تأثيرها الفائق الحساسية الى حياة وسلوك وميزانيات المواطنين العاديين في القرى والاقاليم على السواء. ومهما اختلف المحللون وصانعوا القرارات وراسموا السياسات الخارجية لبلادهم وقد كانت قد تنوعت عبر نصف القرن الاخير لتشمل بصورة او باخرى اهدافا من قبيل تحجيم النفوذ السوفييتي وضمن امن الكيان الصهيوني الا ان القوم لم يختلفوا قط على دوام الهدف الاستراتيجي الماثل وهو كفالة وصول امدادات البترول ـ باسعار معقولة ـ الى الجهات المستهلكة في امريكا وربما في الغرب بشكل عام. ادارة بوش .. بترولية ولقد نسمح لانفسنا بتذكير القاريء الكريم بما سبق وطرحناه منذ صيف عام 2000 وبالبعض من تصورات حول الادارة الجديدة (الحالية) في البيت الامريكي الابيض ومؤداها انها ادارة بترولية ان جاز هذا التعبير بحق انها تصدر في انتماءاتها وفي مصالحها وفي تصوراتها ومقولاتها عن لوبي البترول في الولايات المتحدة، ليسيطر في ذلك الرئيس الامريكي وقد كان حاكما لتكساس وهي ولاية المصالح البترولية، في امريكا بامتياز، كما ان عائلته ذاتها تنتمي الى هذه الفئة من ملوك او اباطرة الصناعات البترولية داخل بلاده وخارجها بل ان نائبه، السيد ريتشارد تشيني شخصيا جاء مباشرة الى منصبه الرفيع في الادارة المستجدة من موقع مدير احدى كبريات الشركات البترولية وجاء ايضا ومعه اكثر من ريتشارد ضمن المخططات التشريعية والادارية التي ما برحت الى استصدار قوانين وانفاذ اجراءات واتخاذ تدابير من شأنها في مجموعها ان تعيد رسم سياسة امريكا في مجال الطاقة بل انها تشمل مايطلق عليه من ادبيات السياسة الامريكية الراهنة تعبير «حزم التدابير» اي مجموعة الاجراءات المتكاملة التي يتصورون انها ستؤدي في نهاية المطاف الى تقنين وتحجيم وربما ترشيد استخدام كل صنوف الطاقة وخاصة محروقات البترول ومشتقاته ودع عنك توظيف استثمارات مليارية كما تؤكد في مجالات «تثوير» المعروض من انواع الطاقة وخاصة تلك التي يطلق عليها حسب مصطلحات الامم المتحدة وصف الطاقة الجديدة والمتجددة (مازال العمدة او المرجعية في هذه الادبيات هو مؤتمر نيروبي الذي عقدته الامم المتحدة منذ 20 عاما حول هذا الموضوع ومازالت الاجندة التي توصل اليها مطروحة ومعتمدة في الاوساط المهتمة بواقع الطاقة ومستقبلها). ورغم ان اقتراحات السيد تشيني المتعلقة بما وصفناه بانه حزم او سيناريوهات الطاعة مازالت قيد الطرح والتدارس وربما كشفت شمسها كما قد نقول مرحلة التركيز الراهنة على الاجراءات الفورية، الآنية ـ الناجزة بشأن ما يسمونه باسم مكافحة الارهاب بعد 11 سبتمبر الماضي الا ان العقل السياسي الامريكي ـ كما نحرص على متابعته ورصد طروحاته في هذه الايام ـ ما زال مشغولا بقضية البترول ـ العرض والطلب التسعير وكميات الانتاج سبل النقل وخطوط الامداد .. مواقع الاستخراج والتنقيب ومكامن الاحتياطيات الاقتصادية التي تكفل للمخططين امن الطاقة ان جميع هذه النواحي المتعددة التي المحنا اليها. ونحسب ان الامر هنا فيه نوع من الخلط المتعمد بين الصناعة والسياسية وهو ايضا خلط رآه طبيعيا بل متوقعا فصناعة البترول ذات طابع سياسي بالدرجة الاولى، وقوام هذا الخلط هو ان يبعثوا الرسائل مباشرة او غير مباشرة سيان الى جهات معنية في مقدمتها منتجو البترول في الشرق الاوسط بالذات وربما يبعثون برسائل اخرى تهدف الى تطمين قوى السوق الدولية والداخلية، في بلدان التحالف الغربي ازاء امن امدادات البترول في سنوات قادمة. رسائل امريكية مهمة ولقد نعرض على فهم القاريء موجزا مكثفا كما نراه ونرصده لاهم هذه الرسائل على النسق التالي: ـ الحديث عن بناء وتزويد الاحتياطي الاستراتيجي من كميات البترول وتذكير جماهير المستلهكين بازمات الماضي وخاصة في اعقاب الحرب العربية ـ الاسرائيلية في خريف عام 1973 ولا بأس اذا كان الحديث متلفزا أو اللجوء الى الارشيف لعرض افلام اخبارية عن تلك المرحلة لزوم التذكير بصور طوابير السيارات المنتظرة عند محطات البنزين. ـ عرض الانجازات المحدثة في مجال تسخير صنوف الطاقة الجديدة، والمتجددة، والمزج الى حد الغزل والتشبيب في شمائل طاقة الشمس وطاقة الرياح وطاقة المد والجزر وطاقة الرمال القيرية ناهيك عن كفاءة السيارات ذات الموتورات المدارة بطاقة الكهرباء الطاقة الفلطاضوئية، دع عنك الربط بين هذا كله وبين صداقه البيئة ونظافتها وعائدها الايجابي على عافية المجتمع وصحة الانسان ..الخ ولا بأس من قصائد هجاء تعدد مثالب طاقة البترول وانبعاثاته الكربونية الضارة. الى آخره ايضا (ليس معنى هذا اننا نرفض جهود البشرية في استكشاف واستغلال مصادر جديدة انظف واكثر اقتصادا للطاقة ولكن الغرض .. مرض كما يقولون). ثم الحديث الذي لا يصدر عن منطق اقتصادي (وهو مطلوب ومفيد بالقطع) ولا حتى عن منطق ترشيدي (ونحن اصلا من ثقافة الرفض والتقتير والاسراف على السواء) بل نحس انه منطق تحريضي يخلط بين مواجهة الارهاب وبين تقليل الاعتماد على بترول الشرق الاوسط (!) ويروج لمقولة ان مقاومة الارهاب تبدأ بالتخلي عن سيارات (الا س. يو. في) وهو الطراز المحدث من السيارات الرياضية القوية الدفع والمتينة الهيكل لصالح السيارات الصغيرة التي كانت قد ارتادت صنعها اليابان منذ منتصف السبعينيات. ثم الحديث الذي يحرصون على ان يكتسب صبغة علمية ـ احصائية رغم انه حديث قوامه التهليل والتبشير باكتشاف مصادر جديدة للبترول (وهو امر يسر لانه يصب في مصلحة البشرية اساسا) ولكن المشكلة ان كل الاحصاءات يكتنفها نوع من التوجيه المغرض حين تكون الاحالة دوما الى الشرق الاوسط وتكون حسابات نسب الكميات المكتشفة في شمال العالم وجنوبه منسوبة دوما الى الشرق الاوسط. في هذا السياق تختلط البيانات عن المواقع البترولية، في العالم ما بين بترول بحر الشمال الى حقول ولاية الاسكا الامريكية الشمالية بدورها ـ وقد عرضنا لها في حديث سابق ـ الى تطوير حقول روسيا وخاصة مناطق القوقاز والبحر الاسود الى وعود حقول البترول في جمهوريات وسط آسيا ـ السوفييتية سابقا، وفي هذا الصدد ترتفع دعوات الاستثمار في شبكات خطوط الانابيب لحل مشاكل النقل والامداد من تلك المناطق التي لاتضاهي الشرق الاوسط وهي سهولة النقل والامداد. آخر مستحدثات الدعاية الامريكية يتمثل في بترول كولومبيا. ومن كولومبيا الى الشرق الاوسط وقد استرعى انظارنا ان الدراسة التي نشرت مؤخرا عن هذا الموضوع (ملحق بيزنس وورلد ـ ملحق الاقتصاد والتجارة العالمية ـ نيويورك تايمز عدد اول نوفمبر الحالي) ـ هذه الدراسة جاءت لتؤكد ماذهبنا اليه على استحياء في صدر هذا الحديث من ان الامر في التحليل الاخير يتعلق برسائل غير مباشرة يريدون ارسالها على عناوين جهات واطراف بعينها في العالم العربي وربما جيران العالم العربي. الدراسة التي نشير اليها وهي بقلم الباحثة جوان فوريرو تحمل عنوانا يقول: « في ظل عدم الاستقرار في الشرق الاوسط فان بترول كولومبيا، يجتذب عمليات الاستكشاف والتنقيب». مع ذلك، وبصرف النظر عن منطق الغرض الذي المحنا اليه، فلا شك ان الاوساط البترولية، في الشرق الاوسط ينبغي ان تنشغل بمتابعة هذه التطورات المؤثرة على هذه السلعة الاستراتيجية ويلفت النظر في هذا السياق مثلا ان هناك الآن 30 شركة تعمل في مجال البترول في كولومبيا ومنها 9 شركات جديدة وكلها ابرمت عقودا للاستكشاف في نحو 30 حقلا بتروليا تغطي مناطق بحرية وبرية منها ما يطل على البحر الكاريبي ومنها حقول تقع عند سفوح جبال او هضاب الانديز وتصفها الدراسة بانها مبشرة واعدة من حيث حجم الاحتياطيات. ورغم ان كولومبيا ـ الدولة الامريكية اللاتينية مازالت شريكا محدودا للغاية في مجال البترول العالمي ( لا تحوي سوى واحدة في المئة وربما اقل من مجموع الاحتياطيات المؤكدة) ورغم الخيبة السياسية والامنية الثقيلة، بل الفادحة التي ترزح كولومبيا تحت وطأتها من حيث انعدام الامن وصراعات الميليشيا مع القوى الحكومية وفساد الادارة وتفشي البيروقراطية وصعوبة التضاريس والتخصص المقيت في اسوأ واخطر انواع المخدرات في العالم. رغم هذا كله فها هو مدير الاستكشافات في امبريسا كولومبيانا دي بتروليس، وهي الاحتكار الحكومي في مجال البترول واسم السيد المذكور هو توماس فيلاميل يقول: برغم مشاكل (اضطراب) النظام العام هنا في كولومبيا ـ فانها (تنعم) باستقرار نسبي اكثر مما يسود منطقة الشرق الاوسط في الوقت الحالي بالذات. وعندنا ان الامر جدير بمزيد من المتابعة الواعية من جهة لمثل هذه المستجدات ولكن بحيث تتوازى معها استجابات واعية بنفس القدر مفادها ان امن العالم وسلامة وامن الشعوب وسلامها ـ سواء في امريكا او في الشرق الاوسط او غيرهما سيظل مرتكزا على ارساء اسس الحوار البناء بين الحضارات والثقافات وعلى اساس المصالح المتبادلة والنفع المشترك وعلى اساس احترام الهوية القومية والشخصية الوطنية لسائر الامم والشعوب .. وكل هذا انما يكفله اصلا الاخلاص في فهم الآخر لحقوقه ومصلحته وشخصيته وثقافته ولا تكفله اجهزة الدعاية ولا القوة المادية بحال من الاحوال. ـ كاتب سياسي مصري