يبدو أن هناك اتفاقا ضمنيا بين الكاتب والقاريء حسب هذا الاتفاق يكتب الكاتب الى القاريء دون أن يعلن عن ذلك، كما لو كان يؤدي دورا في مسرحية، لكنه كممثل يتظاهر في كل لحظة أنه لا يمثل، ويستغرقه الدور بما يحقق معنى الايهام، وبما يؤكد معنى الاندماج الذي يستبعد معنى التمثيل أو يستبدل به معنى التقمص. ومع ذلك فالكاتب يكتب للقاريء، تماما كالممثل الذي لا يمكن أن ينسى - مهما اندمج أو تقمص - انه في حضرة مشاهد يرقبه وينفعل به. وسواء توجه الكاتب الى القاريء على نحو مباشر أو غير مباشر، وسواء حاول هذا الكاتب التظاهر بأنه يخاطب نفسه ولا يخاطب غيره، فإن القاريء موجود دائما في نص الكاتب، ومستتر في وعي الكاتب أو لا وعيه حتى وهو يخاطب نفسه. ولذلك تحدث النقاد المحدثون عن القاريء المضمر في النص، كما تحدث النقاد الحداثيون للرواية عن المروي عليه، وذهبوا الى أن للمروي عليه من الحضور في النص ما يوازي حضور الراوي، وما يمكن البحث عن علامات له في كلمات الكاتب. وربما كانت العلاقة بين الكاتب والقاريء أكثر وضوحا في المقال الفكري، حيث يضع الكاتب في اعتباره منذ اللحظة الأولى للكتابة أنه يخاطب قارئا بعينه أو قراء بأعينهم، مراعيا مستوياتهم الثقافية، جنبا الى جنب درجة قربهم أو بعدهم عن المجال المعرفي الذي يدور حوله المقال. ومع ذلك فإن الكاتب في هذا النوع من الكتابة لا يستخدم ضمير المخاطب أو المخاطبين، ولا يتوجه الى القاريء على نحو مباشر، وإنما يستخدم ضمير المتكلم، ويشير الى المعلومات أو الأفكار التي يعالجها دون ذكر صريح للقاريء الذي يتوجه اليه، وبلا ضمير يدل عليه. ويبدو الأمر كما لو كانت موضوعية هذا الكاتب قرينة الضمائر المحايدة التي يستخدمها، والاشارة غير الذاتية الى موضوعاته، والحديث عن هذه الموضوعات بتجاهل متعمد أو غير متعمد للقاريء الذي هو الهدف من الكتابة والخطابة. هذا التجاهل للقاريء عمدا أو بغير عمد، هو تقليد أساسي من تقاليد الكتابة، مضى عليه الكتاب منذ قديم الزمان، والتزموا به في الأغلب الأعم. ولذلك تحدث نقاد المسرح عن الايهام الذي يعني الغاء حضور المتفرج، وتحدث نقاد الشعر عن غنائية القصيدة التي هي نجوى الذات لنفسها، بعيدا عن أي كائن آخر غيرها. ولكن هذا التجاهل لم يستمر الى ما لا نهاية، أو على الاطلاق، فقد كان هناك من الكتاب من يتعمد كسر لعبة المخايلة، ويخاطب القاريء على نحو مباشر. وكانت الخطوة الأولى هي المقدمة التي يستخدمها الكاتب ليقدم بها عمله الابداعي على نحو مباشر الى القاريء، وقد اتخذت المقدمة في مراحلها الأولى طابعا تبريريا شارحا، حيث كان الكاتب يستخدمها لتبرير ما كتب، وتوضيح بعض الدوافع التي دفعته الى الكتابة. وقد يعرج على بعض النقاط لتأكيدها في المقدمة، شارحا للقاريء أهميتها قبل القراءة، مضيفا بعض الارشادات التي تعين القاريء على فهم أعمق لهذه النقاط. وقد تكون المقدمة اعتذارية، كأن يدعي الكاتب أنه بذل جهده في الكتاب، ولكن اضطراب الأحوال الخاصة أو العامة عاقه عن بذل المزيد من الجهد ليظهر كتابه على النحو المطلوب. وقد يتخذ الاعتذار شكلا مغايرا، خصوصا حين يتطرق الكاتب الى مواضع حساسة غير مألوفة للقاريء، وقد تصدم ذوقه لأسباب عديدة، وهنا لا يكتفي الكاتب بالتبرير، وإنما يصوغ للقاريء ما يشبه الاعتذار عن هذا النوع الصادم من الكتابة، وأنه لم يضطر اليها إلا لعلمه بأهميتها، ولا بأس من أن يصحب التبرير الاعتذاري نوع من الدفاع المسبق عن هجوم متوقع، يتخيله الكاتب، أو ينتظره بعد صدور كتابه. وأخيرا وليس آخرا، يمكن أن تنطوي المقدمة على بعض المكر الذي يقول أشياء ويخفي أشياء، ويتحدث عن رموز خفية يتولى تنبيه القاريء اللبيب اليها على نحو غير مباشر. وعادة ما يحدث ذلك في الكتابة الرمزية التي يضطر اليها الكاتب عندما يسود القمع، ولا يستطيع الكتاب أن يعبروا عما في داخلهم بحرية أو صراحة، فيلجأون الى الرموز والأقنعة، يختفون وراءها، وذلك في نوع من التقية. ولكنهم لا يتركون القراء في حيرة، بل يكتبون لهم مقدمة خاصة، تشير من طرف خفي الى الطبيعة الرمزية للكتابة، وتلمح الى نوع المفاتيح المعنوية أو العقلية التي لابد من استخدامها لفك شيفرات الرموز، ومن ثم إنطاق المسكوت عنه من الكلمات المختبئة في أكمامها المراوغة. ويبدو أنه مع مجاوزة الرومانتيكية وانتشار الأدب الواقعي أصبحت المقدمة التي يكتبها الكاتب لأعماله الابداعية غير ضرورية، وذلك لتأكيد طابع الايهام خصوصا في الأعمال الروائية والمسرحية. ولذلك أخذ الكتاب يصدرون أعمالهم دون أي كلمة تقديم. وهذا تغير يمكن أن يلحظه القاريء في ثقافتنا. ويمكن الاشارة، هنا، الى المقدمة التي كتبها محمد حسين هيكل لروايته زينب الشهيرة، وهي المقدمة التي يبرر فيها كتابة الرواية، ويحكي تاريخها، ويذكر الأسباب التي جعلته يحجب ذكر اسمه عنها في الطبعة الأولى، ويكتفي بكنية مصري فلاح. وعندما تغيرت الأحوال بعد ثورة 1919، وارتفعت مكانة كاتب الرواية، وضع محمد حسين هيكل اسمه على روايته التي أصبحت ذات مكانة خاصة في الرواية العربية. ولم يكن أمثال نجيب محفوظ من كتاب الواقعية في حاجة الى هذا النوع من المبررات، أو الى أي شكل من أشكال المقدمات، فكانوا يدفعون برواياتهم بعد طبعها الى القاريء دون كلمة، ممارسين لعبة الايهام التي كانت مستخدمة في المسرح الواقعي. وهي لعبة تقوم على الوعي الكامل بدور القاريء وحضوره، ولكن مع تجاهل هذا الدور وهذا الحضور ظاهريا، والمضي في الكتابة التي تنطلق بأحداث الرواية ومصائر الشخصيات على نحو موضوع. وكانت غاية اللعبة الايهامية، ولا تزال، إبقاء حيوية القاريء والحفاظ عليها، وتركه وحيدا مع الوقائع والأحداث والشخصيات التي تتحرك بعفوية دون تدخل من أحد. ويشبه الأمر في ذلك فعل مشاهدة السينما، حيث الفيلم منتج من أجل المشاهد، ويتكيف على حسب نوعية المشاهدين المتوقعين أثناء عملية الانتاج، لكن المشاهد غير موجود في الفيلم، ولا يراه إلا بعد انجازه، ويستغرق في عالمه المنفصل عنه كما لو كان عالمه الخاص، وينسى كل ما حوله ليعيش في عالم الفيلم تماما، اذا نجحت عملية الايهام في اداء دورها. أما في داخل نص الكتابة فقد خضعت العلاقة بين الكاتب والقاريء على تحولات. في النصوص القديمة والكلاسيكية، كان الكاتب يقطع السرد بين الحين والحين ليخاطب القاريء، إما لكي يلقي اليه ببعض التنبيهات أو الارشادات، وإما لكي يقضي على الملل الذي يمكن أن يكون قد أصاب هذا القاريء، فينتقل به من حال الجد الى حال الهزل، عملا بما جاء في الأثر: اجموا النفس ببعض الباطل حتى تقوى على الحق، والجاحظ أستاذ هذا النوع من الكتابة التي تتراوح ما بين الجد والهزل، وتحصل على الابقاء على حيوية القاريء وعدم وقوعه في أسر الملل من الجد. وما كان يفعله الجاحظ، كان يفعله القدماء بما ليس ببراعته بالقطع. ولكن العصر الحديث جاء بتقاليد مخالفة، ومضى بلعبة الايهام الى نهايتها، وحاولت الكتابة التظاهر بأنها لا تتجه الى القاريء، كما حاول الكاتب أن يوهم نفسه ويوهمنا أنه يتحدث عن أفكاره، ويجسدها كتابة، ولكن من غير توجه مباشر الى القاريء. ولكن هذا النوع الحديث من التجاهل لم يقلل من حضور القاريء بأي حال من الأحوال، فقد ظل هذا الحضور موجودا، وظل القاريء مؤثرا وغير خامل بأي حال من الأحوال، وكانت تأثيرات القاريء الايجابية لا تقل عن تأثيراته السلبية على أفعال الكتابة، فقد كان حضوره يدفع الكاتب الى الخوف من المضي في كتابة موضوعات بأعيانها، كما كان هذا التأثير السلبي يتزايد في أوقات خاصة فيترك ما يشبه الشلل في قلم الكاتب كي لا يقترب من المناطق التي لابد من السكوت عنها. ولم يكن هذا القمع اللامباشر من القاريء موجودا في كل الأحوال، ففي الظروف التاريخية التي تخلو من أشكال القمع، ويتزايد فيها مناخ الحرية، يتحول تأثير القاريء الى تأثير ايجابي، ويبدو كما لو كان يطلب من الكاتب - على نحو مباشر - أن يمضي في حريته. وفي أحوال ثالثة، كان يلتبس موقف القاريء، فيبدو كما لو كان يطلب من الكاتب أن يكتب في حرية، وفي الوقت نفسه لا يتردد في اظهار خوفه أو قلقه من هذه الحرية. ويبدو الأمر في مثل هذه الأحوال، كما لو كان القاريء يشبه كاتبه في الموقف المتوتر بين رغبة الكتابة الحرة والقلق من أثر هذه الكتابة في الوقت نفسه. وعندئذ، لم يكن الكاتب يتردد في أن يخاطب القاريء بمثل ما خاطبه به الشاعر الفرنسي بودلير في مقدمة ديوانه الشهير أزهار الشر، خصوصا حين قال بودلير: أيها القاريء المرائي يا شبيهي، يا أخي.