يقف المثقف العربي دائما على حافة الهاوية، محاصرا بالتزامه من جهة ـ ان كان مثقفا عضوياً لا ارتزاقيا ـ ومن جهة ثانية بقيود ملزمة لمكانه وزمانه وأفقه الاجتماعي والسياسي، وغالبا ما تجهض مشاريع ثقافية كبرى، ويفقد مفكرون احرار بريقهم ومكانتهم ودورهم، حالما تنجرف اقدامهم طواعية نحو القيود، تحت وطأة ابهار الشهرة والنجومية وبريق المال، وربما للنجاة من قدر التهميش، والخوف من بطش السلطة أيا كانت. والمثقف العضوي المقصود، تتلاقى فيه النهايات، او تتوحد فيه القيمة الانسانية ايا كان مصدرها، فمثلا يعرف في تراثنا العربي الاسلامي بأنه، مثقف صاحب رسالة، او مبدئي، لا يعرض بضاعته في سوق النخاسة، ولايفرط في كلمته وان قايضوه عليها بالماس والذهب. اما في الثقافة الاوروبية الحديثة فيعرف بأنه المثقف الطليعي، المدافع عن حقوق الفقراء والكادحين، او كما حدده الايطالي جرامش بتعريف «المثقف العضوي». ولأن القول بالقول يذكر، سيطرت علي فكرة تحولات المثقفين، ولعبة تبادل الأدوار، والانتقال من موقع لآخر، حيث نرى مثقفا كان الدفاع عن المستضعفين والتغني بشمائلهم مدخله للحياة الثقافية والصعود الى المسرح السياسي، انتهى به المطاف فرداً في جوقة التبرير، لقاء منفعة عارضة قد تزول قبل ان يرتد اليه طرفه! ويحلو للبعض، تناول قضية تحولات المثقفين من زاوية ضيقة، وبمنهج تآمري، يسهل عليهم الصاق تهمة الخيانة والردة والسقوط ببعض، ممن ترفعوا عن الدنايا، ورفضوا ان يبقوا محبوسين في قوالب جامدة، تصادر حقهم في التجدد، وتصحيح المسار، وفات هؤلاء ان يدركوا الفرق بين تحولات «الارتزاقيين» المرتبطة بالمنفعة وتحولات المدنيين المرتبطة بصيرورة الواقع وتحولات الحياة في عمومها، وشتان بين من يتحول للحقيقة ومن يتحول مع تقلبات البورصة! واعترف، أنني دخلت في حالة من الحيرة والأسى عقب قراءتي لمحاولة احد الكتاب تفسير تحول الفيلسوف العربي عبد الرحمن بدوي من الوجودية الى الاسلام، معتبرا انه هروب، وناقلا عن آخر انه تحت اغراء المال. الغريب، ان لمثل هذا التحليل السطحي يمكن ان يشاع في اوساط بعض العامة، ويأباه منطق العقل السليم، ومن يعرف سيرة بدوي استاذ الاجيال في مجال الدراسات الفلسفية. ولا يجد اي دارس صعوبة في معرفة مدى ارتباط بدوي منذ بواكير اعماله بالتراث الاسلامي، جنبا الى جنب الدراسات المتخصصة والترجمات البديعة للنصوص الفلسفية لكبار الفلاسفة الوجوديين، مما مهد لتعمقه في خريف عمره وتكريس جهده للدفاع عن الاسلام ضد حملات التشكيك الغربي، رغم انه يقيم في اوروبا. ويتفق، حتى ان قبلنا فرضية التحول، بدوي مع غيره من كبار المفكرين والأدباء امثال محمد حسين هيكل، وزكي نجيب محمود، وغيرهما، الذين بدأوا حياتهم الفكرية منبهرين بالغرب وحضارته، وانتهى بهم المطاف دفاعا عن الحضارة العربية والاسلام.