ماهو مبرر بقاء اي حكومة ترى ان مسئولية الحكم تنحصر في جباية الضرائب دون تقديم خدمات للناس توازي قيمة الضرائب؟ أطرح السؤال بمناسبة احدث زيادة سعرية فرضتها حكومة السودان على البنزين ومحروقات اخرى، ورغم ان نسبة الزيادة ليست كبيرة بالمقارنة مع مسلسل الزيادات المتواترة التي ظلت تفرضها الحكومة لمدى الاثنتى عشرة سنة الاخيرة الا انها كانت بمثابة اشعال عود ثقاب ادى لتفجير تراكمات من الحنق المكتوم. وفي موازاة استحداث ضرائب وزيادات سعرية على الدخول والسلع لمدى السنين الطويلة ظلت الحكومة تتنصل بالتدريج من مسئولياتها نحو توفير الحد الادنى من الخدمات الحيوية الضرورية. ومنذ عهد الادارة الاستعمارية البريطانية ولمدى عقود متصلة كانت خدمات العلاج والصحة العامة والتعليم في جميع مراحله وخدمات الماء والكهرباء مع خدمات تعبيد الطرق داخل المدن .. كلها كانت تتحمل مسئوليتها الدولة فتقدمها للجمهور اما بالمجان او برسوم رمزية. الآن اختلف الامر تماما، فقد ظهرت بدعة المستشفيات الاستثمارية الخاصة بعد ان نفضت السلطات يدها عن المستشفيات الحكومية، وبرزت بدعة الجامعات الخاصة ذات المردود الربحي والتي تتعامل جزئيا بالدولار الامريكي. وفي هذه الاثناء تخلت المجالس البلدية في المدن والارياف عن اسباب وجودها المتمثلة في جمع القمامات ورصف الشوارع القائمة وشق شوارع جديدة وحملات الوقاية والتطعيم ضد الامراض المعدية وجمع القمامات .. لكي يتفرغ جيشها من الموظفين لجباية رسوم وضرائب لا اول لها ولا آخر من قطاعات الشعب قاطبة بمن في ذلك صغار التجار وبائعات الشاي على قارعة الطريق. واذا كان رب الاسرة في السودان يضطر الى محاولة تأمين مصدري دخل لنفسه، من اجل مقابلة الرسوم المدرسية او الجامعية الباهظة لابنائه وسداد فواتير اسطورية للكهرباء .. ثم بالتالي يعجز عن كلفة علاج نفسه او احد افراد اسرته في مستشفى استثماري تضاهي اسعاره اسعار فندق خمسة نجوم، اليس من حقه ان يتساءل: ماذا تبقى للحكومة لتثبت وجودها على دست السلطة؟ ومن الغريب حقا ان تكون المحروقات هدف الزيادة السعرية الاخيرة بعد ان مزقت الحكومة كما تقول فاتورة استيراد المنتجات البترولية وانشأت مصفاة عملاقة تنتج من البنزين والمحروقات الاخرى ما يعادل احتياجات الاكتفاء الذاتي، بل ويحقق فائضا للتصدير. يقول وزير المالية السوداني ان الحكومة اضطرت لفرض هذه الزيادة السعرية لسد عجز في الميزانية العامة. لكن كيف يتوقع الوزير ان يصدق الناس هذا التعليل وقد سبق ان زف الى الجماهير عند بدء تدشين تصدير خام النفط السوداني الى اسواق العالم ان السودان سوف يوفر مايقارب 300 مليون دولار سنويا هي كلفة استيراد المواد البترولية قبل ان يلتحق السودان بعضوية نادي منتجي النفط العالميين؟ ولماذا، لا يلجأ الوزير الى وسائل اخرى لسد العجز من قبيل خفض اعتمادات الاجهزة الامنية المتعددة او اعتمادات سفر المسئولين الى المؤتمرات الخارجية عوضا عن رفع سعر سلعة تعتبر من ضروريات الحياة اليومية للقطاعات الشعبية؟ ثم الى متى تظل السياسة المعتمدة للدولة ان تتنصل من مسئوليات الحكم لتلقي بأعبائها على كواهل الشعب؟