إنني احترم الرجلين وتربطني بكليهما علاقة تقدير ومودة منذ سنوات، واعلم انهما تقابلا في باريس قبل اعوام قليلة في مؤتمر جامعة المنظمات المسلمة الفرنسية، ولكن لم يتح لهما حوار متعمق حول هذه الشئون والشجون التي تسكن قلبيهما وتشغل عقليهما، ولذلك حرصت على الجمع بينهما. وكعادة فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي رحب باللقاء خاصة في هذه الظروف الراهنة التي نحتاج فيها للحوار مع الغرب ونخبته المتميزة. وقد رغب الصديق جيل كيبيل Gilles Kepel حين تواجد في دبي في رحلة اكاديمية ان يقضي يوم الاحد 11 نوفمبر بالدوحة للحديث مع العلامة القرضاوي، وبالرغم من انعقاد مؤتمر المنظمة العالمية للتجارة فقد ساعدني بعض الاصدقاء مشكورين على ان يسهلوا سفرة وكان اللقاء. وجيل كيبيل هو استاذ معروف بالجامعة الفرنسية، ورئيس قسم العالم العربي والحضارة الاسلامية بالمعهد العالي للعلوم السياسية الشهير، والذي انشيء عام 1870 وتخرج منه رجال مشاهير امثال فرانسوا ميتران والحبيب بورقيبة وغيرهما وكيبيل صاحب عشرين كتابا بالفرنسية ترجمت الى لغات عديدة منها العربية، وكلها حول الصحوة الاسلامية الراهنة وعلاقاتها بالتراث والحداثة والديمقراطية والدولة. وظل هذا العالم المستشرق على مدى عشرين عاما صوتا منصفا ومحللا لاسباب ما يصيب الاديان ـ كل الاديان ـ من بعض ظواهر التطرف او الفتنة. ولهذا السبب وسواه احببت ان يتحاور هاذان الرجلان، والعالم الاسلامي يعيش تحت صدمة 11 سبتمبر وما تبعها من حرب وما تنذر به الاجواء السياسية من توسيع الحرب الى شعوب اخرى آمنة، وما نتوقعه جميعا من تداعيات خطيرة عنيفة لعلها ستكون زلزالا يهز اركان النظام العالمي الحالي الجائر ويغير معادلات العلاقات الدولية المهزوزة الراهنة. كان اول سؤال طرحه المستشرق على الشيخ هو حول شخصية اسامة بن لادن .. كيف نقيمها؟ وهل يمكن تصنيفه ضمن علماء الاسلام والشريعة؟ وكان جواب الشيخ ان ابن لادن لا يمكن تصنيفه عالما شرعيا، وهو في الحقية لم يدع ذلك ولم يقله ابدا. انما هو رجل مسلم وقد قرأ القرآن والسنة وله رؤيته الخاصة للواقع السياسي الاسلامي والدولي، ولم نقرأ له شيئا لان النص المكتوب هو الذي يدل على صاحبه ويبين لنا فكره وينير لنا مابداخله. وبعد ذلك تساءل جيل كيبيل عن اعتبار الفدائيين الفلسطينيين الذين يفجرون انفسهم مع اعدائهم شهداء واعتبار القائمين بتفجير برجي نيويورك انتحاريين، فقال فضيلة الشيخ: ان قتل الابرياء حرام في شريعة الاسلام وكل الشرائع، لكن الاسرائيليين محتلون لارض غيرهم، فهم اخرجوا الفلسطينيين من ديارهم بغير حق وتحق مقاتلتهم ثم ان اسرائيل مجتمع عسكري مئة بالمئة فمن هو منهم ليس جنديا فهو جندي احتياط، ان اسرائيل استعمار استيطاني احتلالي ـ بمعنى احلال شعب دخيل محل شعب اصيل ـ فأنتم الفرنسيون حين احتللتم الجزائر مثلا، استعمرتم الارض ولكن شعب الجزائر لم يُهَجر، ظل في ارضه مقاوما .. اما الشعب الفلسطيني فقد هُجّر وشرد، ان الاستعمار الصهيوني هو شر استعماري على وجه الارض فهو لا يكتفي بالتقتيل بل يجرف المنازل ويقتلع الاشجار ويحرق الزرع ويهود المدن ويستحل التعذيب. اما الذي وقع في نيويورك بتدمير البرجين فهو مختلف عما وقع في واشنطن، لانه في واشنطن يمكن القول بأن البنتاجون هدف عسكري .. اما اختطاف طائرات فيها ابرياء وضرب برجين فيهما ابرياء يشتغلون ويأكلون عيشهم ومنهم كثير من المسلمين . فهو عمل انتحاري لا مبرر له. فقد اكون انا أو أنت او اولادنا ضمن ركاب الطائرات او من المتعاملين مع مركز التجارة الدولي. انه عمل لا تقره الشريعة ونحن ندينه .. وندين كذلك الحرب الامريكية ضد شعب افغانستان الذي لم يقترف جرما ولم يرتكب اثما. فأسامة بن لادن الى حد اليوم هو حسب تعبيرهم «مشتبه فيه» ولم يقدموا برهانا على انه هو الفاعل، فكل من كان على الطائرات قتل في الحادث، بل ان المحققين لم يقولوا لنا اي شيء حول ركاب الطائرة الرابعة، ثم ظهر ان بعض المتهمين ابرياء وزورت وثائقهم .. كل هذا كان من المفترض ان يدعو للتريث والقبض على المشتبه بهم بوسائل اخرى وتقديمهم الى العدالة، وسبق ان ناديت بتدويل التحقيق لا الاقتصار على تدويل الحرب. ثم على افتراض ان اسامة بن لادن هو الذي دبر هذا العمل ونفذه فلماذا تقوم الولايات المتحدة بتدمير شعب بأسره وارجاعه الى العصر الحجري .. وهم بؤساء يعيشون فعلا في العصر الحجري منذ تدمير افغانستان من قبيل الجيش السوفييتي، وقد رأيت ذلك بنفسي حين زرت قندهار وعاينت آثار التدمير السوفييتي في الطرقات والجسور والمدن والقرى. وكان منذ ايام زارني القائم باعمال السفارة الامريكية بدولة قطر وكان يجلس مكانك هنا وقلت له: انتم خصصتم اربعين مليار دولار للقضاء على ابن لادن واخشى ان تخسروا هذه المبالغ العالية ولا تقبضوا على ابن لادن .. ثم لنفترض انكم تمكنتم من قتل ابن لادن فقد تحول هذا الرجل الى ظاهرة والى رمز . والظاهرة والرمز لا يموتان. وتساء جيل كيبيل عن هذا النوع الغريب من حكم طالبان بقطع النظر عن قضية ابن لادن فأجاب الشيخ: كنت وكان العالم الاسلامي كله مع الفصائل الجهادية الافغانية سنوات الغزو السوفييتي، وعرفنا قادتها: رباني وحكمتيار وعبدالرسول سياف ويونس خالص وغيرهم. وقد مكنهم الله من الانتصار على الغازي السوفييتي، لكنهم لم ينتصروا على انفسهم وكانت الحرب الاهيلة مدمرة للجميع حتى ظهرت طلائع طالبان، وهم مجموعة من طلاب الشريعة في بيشاور عقدوا العزم على انهاء الفتنة وتمكنوا من ذلك بشهادة العالم ووضعوا ايديهم على 90 بالمئة من الارض الافغانية وحقنوا دماء المسلمين، ومن هنا جاءت شرعيتهم لان كل شيء كان افضل من حرب اهلية اكلت الاخضر واليابس على مدى عشر سنوات. وطالبان هم جماعة تقليدية طالعوا الكتب القديمة وليست لهم تجربة في الاجتهاد والحكم، ولكن ليس من حق الولايات المتحدة ان تفرض منطق الاقوياء على الضعفاء، فهذه سابقة خطيرة قد تفتح الابواب مشرعة في المستقبل لاي تدخل امريكي او اسرائيلي او غيره ضد شعب لفرض حكم يأباه. واستمر حوار الشيخ العلامة مع ضيفه المستشرق النهم للمعرفة في قضايا جوهرية سوف نواصل عرضها لقرائنا الكرام في المقال القادم باذن الله. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر