لا تزال النظرات ترمقنا في أسواق أفغانستان حتى نجبر على المغادرة من فورنا. ولأن هيئاتنا وملابسنا تختلف عن مظاهر الشارع العام يكثر التساؤل حولنا وتطارد خطواتنا اللعنة. بالاسبوع الماضي حظيت مع مجموعة من رفاق المهنة بدعوة من مؤسسة محمد بن راشد للاعمال الخيرية والانسانية على زيارة مخيم اللاجئين الذي أقامته داخل حدود الاراضي الافغانية لتوصيل المعونات إليه. ورغم مشقة التنقل بين الحدود الباكستانية وافغانستان ووعورة الطريق المترامي بين سلسلة من الجبال الشاهقة، لابد أن تستوقفك نقاط التفتيش الكثيرة فتعدلك عن النظر إلى الوقت المتبقي من الرحلة، وتصرف عنك بصيص الامل في الوصول إلى الوجهة المقابلة. في الطريق إلى افغانستان يعود بك التاريخ إلى الوراء طويلا، وتقابلك إفرازات الأزمة القائمة على الاراضي الافغانية وتستشعر اطارها العام من لغة الشارع واسلوب التعامل، وتشتد الصعوبات تعقيدا كلما اقتربت الى الحدود الافغانية. ورغم كل ما كتب عنها وقيل وما عرض من صور ولقطات، تظل الكلمة قاصرة والعدسة ظالمة في نقل الأصل على وضعه الحقيقي، كما تعجز كل المفردات في التعبير عن الواقع الانساني المعاش. مأساة هي الحياة في مخيمات اللاجئين الافغان، والمعاناة هي المسافات التي يقطعها اللاجئون للوصول إلى موقع المساعدات، وإن كانت معظم المخيمات التي مررنا عليها قد تمركزت عند الحدود في الجانب الباكستاني، وترى الناجين من المناطق البعيدة يأتون مشيا على الاقدام بأطفالهم وأمراضهم، أو على ظهر جرارات زراعية في أحسن الاحوال. وفي أحسن الاحوال يجد هؤلاء اللاجئون خيمة تؤويهم من البرد القارس وعوامل الطقس ولفحات الشمس الحارقة عند انتصاف النهار، والحيوانات الكاسرة ليلا، ومعظمهم يصل المخيم فلا يجد خيمة تستره، فيتخذ من العراء ملجأ يواسيه خيبة الرجاء. في مخيمات اللاجئين ترى بأم عينيك ان لكل تبرع تجود به يمناك أثرا انسانيا بالغا، لكن ما لا تراه هو كم من الجهد والمشقة والعناء يتكبدها المتطوعون في توصيل هذه المعونات إلى أصحابها، رغم كل المساءلات والمضايقات والتهديدات والأخطار المحدقة بهم في سبيل عمل الخير والاخلاص بتأديته لوجه الله. ولا أزكي على الله أحدا، ولكن المسئوليات الملقاة على عاتق المتطوعين جسيمة، ولا يتحملها إلا من سخر نفسه ووقته وأهله وجهده وماله لخدمة الآخرين ومشاطرتهم أحزانهم وآلامهم، والتفريج عن كربهم. في مشاهدات اللاجئين الافغان لابد ان نتوقف بين حطام الدنيا لنستدرك وقتا نبحث فيه عن بعض جوانب الانسانية في ذواتنا.