بصدق وحرص كنت أتمنى على قائد عام شرطة دبي ألا يتورط في الأحاديث الصحفية التي أدلى بها منذ يومين، فهي لم تضف إلى رصيد أبي فارس شيئاً بل العكس تماماً، لقد التهمت من رصيده الكثير، وهي لم تضف للمجتمع ولا لأي مواطن ادنى فائدة أو معرفة، وبالتأكيد فحديثه لم يكن في صالح القضية المتعلقة بحريق مركز شرطة بر دبي على الاطلاق. لقد كان حريا بسعادة القائد العام وهو يعلم أن القضية بين ايدي اللجنة التي كونها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع للتحقيق في ملابسات الحادث، ان يترك للتحقيق مداه ومدته وان ينتظر النتيجة، وان يتقبل ما سيحكم به صاحب القرار، ونحن نعلم بأن اللجنة قد أنهت تحقيقاتها وان ملف القضية بكامل تفاصيله بين يدي سمو ولي عهد دبي، وكلنا بانتظار قراراته الحكيمة. أما وان يدلي قائد عام شرطة دبي بما ادلى به، فقد أضر نفسه أولاً، وإلى جهاز الأمن العريق الذي يرأسه ثانياً، وإلى الصحافة ثالثاً، وعليه فهو من حيث يدري أو لا يدري قد اساء للمجتمع الذي يعمل جاهداً وساهراً لخدمته وتأمين أمنه واستقراره باعتباره القائد العام لجهاز الشرطة والامن، ومن هنا فنحن لا نناقشه فيما ذهب اليه من تجريح لا يليق تماماً بالصحافة وأهلها وانما نناقشه فيما يعني المجتمع مما جاء في حواره الأخير. لقد طرح قائد الشرطة فلسفة أمنية في غاية الخطورة خلاصتها ان (الامن أولا بمعنى أن الأمن قبل الحياة) فهل هذه الفلسفة مقبولة شرعاً ودستوراً ومنطقاً؟ هل مطلوب ان نؤمن بأنه صحيح ان يموت من مات من السجناء لانهم مدمنو مخدرات وبأنهم ميتون في كل الاحوال، والمهم ان تظل للامن سيادته وان يبقى مرفوع الرأس، ونحن مع أبي فارس في ان يبقى الامن مرفوع الرأس ولكن ماذا لو كان الثمن حياة انسان حتى وان كان متهما؟ ما ضرورة الأمن اذا تعارض مع ضرورة الحياة؟ نحن لا ندافع عن الخطأ، ولا نصطف ضد الامن وجهاز الشرطة، لكننا نعتقد بأن حق الحياة مكفول ومصان ومقدس في الشريعة والتشريع والقانون والدستور وبديهيات المنطق، وحتى المحكوم عليه بالاعدام له حق التمتع بكل دقيقة من حياته المتبقية قبل تنفيذ الحكم فيه، وان اي اعتداء عليه أو انتهاك لحياته يعد جريمة، ذلك وهو محكوم بالاعدام فما بالنا بموقوفين لم يبت القضاء في أمرهم بعد؟ ولم تثبت عليهم التهم بعد؟ أما ما يصر قائد الشرطة على تكريسه من أمر افتعال الحريق، وتعطل اجهزة الانذار والاطفاء.. والخ، فهو اصرار في غير محله، ذلك ان الانطلاق من فكرة نظرية المؤامرة ليس صحيحاً دائماً، وقد علم على وجه اليقين بأن مركز الشرطة ساعة وقوع الحريق كان يفتقد لكافة الشروط الوقائية من خراطيم الحريق، ومخارج الطواريء والطفايات، والانارة الكهربائية الطارئة و...!! فإن علينا حينما تقع الكوارث أن نعالجها بطريقة الحكمة والاستيعاب وجعل الامور في نصابها وموضعها الحقيقي، لا بالهروب إلى نظرية المؤامرة، وتحويل الكارثة إلى بطولة على طريقة تحويل كارثة حرب حزيران 1967 إلى نكسة ليس إلا!! ربما كان من الافضل كثيراً لو لم يفتح ملف الحادث ثانية، وربما كان الاكثر حكمة لو أن قائد الشرطة قد وضع القضية في حجمها الطبيعي، واعترف بأن هناك خطأ وبأن هناك اهمالاً وبأن هناك سوء ادارة للازمة التي واجهت ادارة المركز، هنا وامام هذا الاعتراف، سنقول جميعاً، بأنه ليس عيباً ان يحدث ما حدث، وليس خطأ يحدث لأول مرة في التاريخ، فالعيوب موجودة والاخطاء كذلك موجودة وفي كل مكان وزمان، وكل يتحمل مسئولياته بحجم أخطائه واهماله، بشرط الوقوف والتمهل امام الحادث وملابساته لأخذ العبرة والعظة حتى لا يمر مرور الكرام. اما ان تلقى التهم جزافاً على الصحافة، وان يشكك في وطنية الآخرين، وان يرموا بالحقد والتشفي في جهاز الامن والغيرة من نجاحاته، فهذه تهم تحتاج إلى دليل، وقائد الشرطة رجل أمن يعرف معنى أن يتورط شخص في اتهام غيره بدون دليل! المجتمع ليس في خندق ضد الشرطة، والصحافة ليست في حرب مع جهاز الشرطة، والحكاية ليست في أن الشرطة تواجه هجمة شرسة، الحكاية ان هناك ازمة كان لابد من معالجتها بشكل آخر، وكان لابد من الاعتراف بتفاصيل التقصير، ولكن الأهم من كل ذلك هو المبادرة الى تطوير الاجراءات لعدم تكرار الحادث، فإذا حدث كانت اجهزة الشرطة في كامل جاهزيتها لمواجهته، اما ان نقول بان ما حدث لم يكن في الحسبان فهذا كلام محسوب على الشرطة وليس لها على الاطلاق. Aisha@albayan.co.ae