البناء اللفظي لخطابات الرئيس بوش حول الارهاب يجمع عادة بين العبارات الدعائية والمعلومات المغلوطة عمداً.. وخطابه الاخير امام الجمعية العامة للامم المتحدة ليس استثناءً. في نبرة انشائية اتهم الرئيس الامريكي نظام طالبان الافغاني بالاتجار بالهيروين، واذا كان المفترض ان الرئيس اراد الاساءة الى صورة طالبان بغض النظر عن الحقائق فانه اختار المكان الخطأ. فهيئة الامم المتحدة هي الجهة العالمية التي نشرت على العالم قبل بضعة شهور تقريراً رسمياً يثني على ما بذلت حكومة طالبان من جهود ادت الى القضاء على زراعة الافيون (الذي يستخرج منه الهيروين) بطول وعرض الارض التي كانت خاضعة لسلطتها حتى ذلك الحين. لقد كان الهدف الاكبر للرئيس الامريكي من وراء سعيه للاشانة بسمعة طالبان، وقد كان من بين مستمعيه رؤساء خمسين دولة، حشد دعم دولي وراء الاجندة الامريكية لمحاربة الارهاب، او بالاحرى ما ترى الولايات المتحدة انه ارهاب. لكن بما ان السعر العالمي لكيلو الهيروين تصاعد بمقدار ثلاثين ضعفاً، لا لأي سبب الا لان زراعة الافيون في افغانستان توقفت بسبب حزم سلطات طالبان فانه كان الاجدر بالرئيس الامريكي ان يستثير العالم ضد شبكات تجارة المخدرات العالمية التي تتخذ من النظام المصرفي في الولايات المتحدة ممولاً رئيسياً لها ومن المجتمع الامريكي نفسه اكبر سوق لترويج منتجاتها الشريرة. وعلى اية حال كان خطاب الامين العام للامم المتحدة اكثر رصانة من حيث المقارنة مع خطاب الرئيس الامريكي، فالامين العام للامم المتحدة، اذ لم يتجاهل ظاهرة الارهاب العالمية، فانه لم يتوقف عندها وكأنها في حد ذاتها سبب؛ فقد تجاوزها الى الظواهر الاخرى الجذرية التي تغرز كل الشرور التي تعذب غالبية شعوب العالم.. وهي التي وضعها عنان تحت عنوان «اعداء القرن الحادي والعشرين».. وفي مقدمتها الفقر والمرض، يقول عنان: «يشعر كثيرون بضرورة تركيز كل طاقاتنا الان على الصراع ضد الارهاب والقضايا ذات الصلة المباشرة. لكن اذا فعلنا ذلك سنعطي الارهابيين انتصاراً ما». التحرر من الفقر والمرض هو اذن الاولوية. لقد صادق الكونجرس الامريكي لادارة الرئيس بوش بمبلغ 70 مليار دولار كدفعة اولية لمشروع «مكافحة الارهاب العالمي»، منها 40 ملياراً للعمل العسكري (الحرب الامريكية ضد افغانستان) و 30 ملياراً للعمل الاستخباراتي الخارجي. ان اقل من نصف هذا المبلغ الذي ينفق على عمليات قتل جماعي وعمليات تجسس في العالم الثالث يكفي للقضاء على وباء الايدز الذي يروح ضحيته ملايين من البشر سنوياً بين الشعوب الافريقية.. واقل من ربعه يكفي لتمويل برنامج جاهز لدى هيئة الصحة العالمية للقضاء نهائياً على وباء الملاريا الذي يفتك بملايين بشرية اخرى في كل من افريقيا وآسيا. والمبلغ الاجمالي كله يكفي لتمويل خطة تنموية خمسية لمضاعفة الدخل القومي لاربع عشرة دولة من الدول المصنفة تحت بند «الاقل نمواً» في العالم. لماذا اذن لا يدعو الرئيس الامريكي الى حشد دولي بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على مثل هذه الشرور الجذرية التي تدفع باجيال الشباب الصاعدة في العالم الثالث كله، وليس البلدان الاسلامية فحسب، الى اللجوء لاساليب العنف والانتقام للتعبير عن شعور شعوبهم بالمهانة والظلم والاحتقار؟ لماذا لا تتزعم واشنطن حملة عالمية جسورة للقضاء على عصابات المافيا وفصائل الجريمة المنظمة الاخرى؟ لماذا لا تبتدر حملة اخرى لمحاربة شبكات تجارة الدعارة التي تتخذ من النساء والاطفال في شرق اوروبا وامريكا اللاتينية سلعة للبيع والشراء؟ ان الاجابة لم تعد، في عصر ثورة المعلومات والاتصالات، تخفى على احد: فتجارة المخدرات والدعارة ما هي الا تفرعات خفية للشبكة الرأسمالية العظمى التي تغطي العالم.