اكذب لو اخفيت عنك يا عزيزي القاريء انني كنت قد نويت ألا اكتب شيئا، وان اريحك من قراءة هذا المقال، اما السبب فلانني بصراحة قد ضقت ذرعا بأخبار الحرب والضرب والكرب، وبتصريحات «بوش» ومؤتمرات «رامسفيلد» واحاديث «عبدالرشيد مطمئن» وبذلك الجيش من المحللين السياسيين والاستراتيجيين الذين ظهروا فجأة من تحت الارض ليحتلوا شاشات الفضائيات ليقولوا اي كلام يا عبدالسلام، كما يفعل «عبدالسلام ضعيف» سفير طالبان الوحيد في العالم، بإنجليزيته الركيكة وأفكاره الضعيفة! وأكذب لو لم أقل لك انني سوف اعذرك اذا ما انصرفت عن قراءة هذا المقال لان الشيء يبين من عنوانه ولأن هذا الشيء الذي تقرأه سوف يحدثك كالعادة عن الحرب والضرب والكرب وعن «ضعيف» و«مطمئن» و«بوش» وما تفرع وما تنسل وهي اسماء اصبحت لا تجلب إلا الملل والنكد.وما حدث هو انني اكتشفت فجأة انني اصبحت رهين المحبسين مكتبي ومقعدي امام التلفزيون، لا افعل شيئا طوال الوقت إلا متابعة سيل الاخبار التي تبثها وكالات الأنباء، او الاذاعات او قنوات التلفزيون انتقل من هذه الى تلك لاسمع ـ غالبا ـ الاخبار نفسها والتعليقات ذاتها، ومع انني قررت اكثر من مرة ان اكتفي بالاستماع الى نشرة واحدة، لانصرف الى القراءة او الكتابة، أو حتى محاولة إحصاء النجوم في السماء، إلا ان دافعا خفيا يدفعني دائما للتقليب بين المحطات والقنوات لعلي اسمع جديدا يجعلني مطمئنا مثل «عبدالرشيد مطمئن» المتحدث الرسمي باسم حكومة طالبان ومع ان صورته ما تكاد تطلع لي من الشاشة، حتى يستفزني اسمه ورسمه إلا انني لم اكف مرة عن الاستماع الى كلامه غير المطمئن وغير المفهوم فضلا عن انني لا اعرف لماذا هو مطمئن على الرغم من الهول الذي تصبه قاذفات القنابل والصواريخ من حوله والى جواره، ومع ان كل الشواهد ـ فيما عدا ما يصرح به وما يضيفه اليه «عبدالسلام ضعيف» ـ تدل على انه لاشيء هناك يدعو للاطمئنان على مستقبل افغانستان او على مستقبل العرب والمسلمين وربما على مستقبل العالم بأسره. وربما هو التكرار الذي جعلني اصدق المقولة التي شاعت منذ حدث ذلك الذي حدث يوم الثلاثاء الدامي، بأن العالم بعد 11 سبتمبر 2001 لن يكون هو نفس العالم.. وما يتعسني هو انني كغيري من العرب والمسلمين اتفرج على ما يحدث، عاجزا عن ان افعل شيئا، حتى المظاهرات التي خرجت هنا وهناك تحتج على ما يتعرض له الشعب الافغاني بدت لي مجرد تعبير عن هذا العجز الذي نعانيه، ليس فقط لانها خرجت لتعبر عن عواطف وانفعالات مضطربة ومختلطة ومشوشة، بل كذلك لانها افتقدت لرؤية واضحة ومشتركة، حول الموقف العربي والاسلامي الصحيح الذي يتوجب علينا ان نتخذه في عالم ما بعد الثلاثاء الدامي. لا انكر طبعا ان هناك موقفا عربيا ـ والى حد ما اسلاميا ـ تجاه ما يوصف الآن بأنه الحملة الدولية ضد الارهاب، وهو موقف يعود الفضل في صياغته الى الدبلوماسية المصرية والسعودية ثم اعتمدته فيما بعد معظم الدول العربية والاسلامية، وانعكس بوضوح في مقررات القمة الاسلامية، وهو يقوم على ادانة الارهاب ويساند الحملة الدولية ضده، بشروط من اهمها ألا تطول المدنيين، وألا تخلط بين الارهاب وبين الحق المشروع في الدفاع عن الحقوق الوطنية، وألا تتسع لتطال دولاً عربية أو اسلامية اخرى، بل تتسع لتشمل الاسباب التي يتذرع بها الارهابيون للقيام بعملياتهم، وفي مقدمتها التوصل الى حل سلمي عادل وشامل ينتهي بانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها في حرب 1967 وبإقامة دولة فلسطينية. وهو موقف تبلور عمليا في رفض كل الدول العربية وكل ـ أو معظم ـ الدول الاسلامية المشاركة في الجانب العسكري من الحملة ضد الارهاب، وفي قصر المعونات التي تقدمها الولايات المتحدة على المعلومات الاستخبارية، والمساندة السياسية، مع اتاحة مساحة معقولة من الحرية، للمناهضين للحرب، لكي يعبروا عن آرائهم، بما في ذلك الآراء التي قد تعكس درجة من الانحياز لاسامة بن لادن، ولحركة طالبان. ذلك موقف متوازن ومعقول الى حد كبير، لايثير إلا القليل من الاعتراض، ولا يخلو من حصافة سياسية، اتاحت للدول العربية هامشا محدودا للمناورة، مكنتها من استخدام مظاهرات المناهضين للحرب، كورقة ضغط توازن ما قد تتعرض له من ضغوط او املاءات امريكية، لكي لا تتورط في الحملة ضد الارهاب، بأكثر مما تستطيع، أو ما تقبل به شعوبها خاصة ان الحملة العسكرية تنهال بقنابلها على شعب مسلم، بائس، ومسكين، وواقع بين فكي كماشة طرفها الاول حكم بدائي، ينتمي الى عصر البداوة، وطرفها الثاني قوة امريكية باطشة من النوع الذي لايخاف ولا يرحم. ثم ان الامر لا يخلو من اضطرار، فالنعام وحده، هو الذي يخفي رأسه في الرمال، عندما يقترب منه الصائد، والدول العربية لا تستطيع ان تتجاهل، ان نصفها يعتمد على امريكا في الحصول على غذائه، ونصفها الآخر يعتمد عليها في الحصول على أمنه، ثم ان هذه الدول ـ- بل والمجتمعات ـ لديها بالفعل مشكلة مع الارهاب المتستر بالدين، الذي يعود جانب مهم من عوامل انتشاره الى الدعم الامريكي للحركات الاصولية الاسلامية خلال فترة الحرب الباردة، والذي تحول الى حماية سياسية، اسبغتها الولايات المتحدة، ودول اوروبا على هذه الحركات، حين نظرت اليها باعتبارها فصائل معارضة، واستغلت هذه الحماية، لمواصلة الضغط على النظم الحليفة لها في المنطقة حتى لا تفكر في التمرد عليها.لم يكن ذلك ما تنبهت اليه، حين ادركت فجأة انني ـ او اننا نحن العرب ـ- لم نفتح بعد ملف قضية وضعنا في عالم ما بعد الثلاثاء الدامي، لانه كله يتعلق بالمدى القصير لما هذا «البَعْد» وبالحرب الدائرة الآن، والتي يبدو من الشواهد التي حدثت هذا الاسبوع، بعد سقوط مزار الشريف، انها على وشك الانتهاء اما ما يتعلق بالمدى البعيد، وبمستقبل العالم، بعد ان تنسحب «طالبان» ومعها الافغان العرب من خريطة افغانستان ومن خريطة العالم، فإنه لم يلق منا أي اهتمام جدي حتى الآن، فيما عدا نقنقات افكار، ترد في بعض المقالات، أو المداخلات التلفزيونية، يبدو انها لم تكتمل حتى الآن، فضلا عن انها تأتي في سياق التنديد بما يجري، اكثر مما تأتي في سياق التنبؤ بالمستقبل، أو في البحث عن صياغة موقف عربي واسلامي منه.من بين هذه الافكار قراءة الحملة على افغانستان باعتبارها مؤشراً على اتجاه جديد في السياسة الامريكية هو «بولسة ـ وعسكرة ـ العولمة» ـ وهو ما يعني في رأي اصحابه، ان «العولمة» التي بدأت ـ بالاساس ـ اقتصادية، تتجه الآن لكي تكون «بوليسية» و«عسكرية» وان الهيمنة الامريكية على العالم سوف تتواصل وتتصاعد وتتفاقم لتنتهي بتأسيس حكومة عالمية بوليسية تحكم العالم كله بأسلوب يهدر الحريات الشخصية، وينتهك الحق في الخصوصية ويتجسس ـ باسم مكافحة الارهاب ـ على كل دول العالم وعلى كل سكانه، ولا يتورع عن اهدار حتى الحرية الاقتصادية، التي يقوم عليها النظام الرأسمالي، بالتجسس على حسابات البنوك، بما فيها بنوك سويسرا، ويضفي ـ- فضلا عن ذلك ـ مشروعية على التدخل العسكري الامريكي في كل مكان في العالم، على نحو سوف يحول السيادة الوطنية لكل الدول على اراضيها الى وهم لتصل بالفعل إلى نهاية التاريخ ويخضع العالم كله لسيادة الرأسمالية، ولكن بلا حرية واقامة نظام شمولي تسانده الاحتكارات الدولية..! تلك قراءة للمستقبل يبدو ان الهدف الوحيد منها هو تغذية الاتجاه المناهض للحملة ضد الارهاب، وليس القراءة الصحيحة لواقع الحال اليوم، او التنبؤ بما سيجري غدا وهذا الواقع يقول: ان الولايات المتحدة الامريكية على ما تملكه من قوة ونفود سياسي وهيمنة لم تستطع ـ بعد ان تلقت لطمة الثلاثاء الدامي ـ ان تتخذ اي اجراء ضده إلا بعد مجهود شاق اضطرها الى الدخول في مفاوضات مضنية لتعقد صفقات لتبادل المنافع مقابل حصولها على تأييد دولي لما قامت به، وانها لم تبذل هذا المجهود مع الدول الكبرى مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين فحسب، بل واضطرت ـ كذلك ـ لان تبذله لدى دول متوسطة بل وصغيرة، ومن بينها دول عربية واسلامية كان الظن ان موقفها مضمون، وان مشاركتها في الحملة لا تتطلب إلا ان تصدر لها امريكا امراً بذلك، فتنفذه على الفور، وكان للجميع ـ كباراً وصغاراً ـ تحفظات وشروط، اضطرت امريكا لقبولها: من اسقاط الديون الى انهاء المقاطعة، ومن تقديم المعونات الاقتصادية الى الاعتراف بحق الفلسطينيين، بأن يقيموا دولتهم في اطار قرارات الامم المتحدة، وهو أول اعتراف من رئيس جمهوري بهذا الحق.. الى جولة العلاقات العامة و«تبويس اللحى» التي قام بها رئيس الوزراء «توني بلير» لتهدئة الخواطر في القاهرة ودمشق والرياض. وبعد ان كان بوش في اعقاب احداث الثلاثاء الدامي يقول في لهجة تهديد ان من ليس معنا فهو ضدنا، اصبح يقول ويكرر القول على طريقة «إلهي يجعل بيوت المحسنين عمار» بأنه يقبل من الدول العربية والاسلامية كل ما تجود به للمشاركة في الحملة، ويبالغ في تقدير ما تقدمه مع انه لايزال حتى الان في حدوده الدنيا، بل انه تقبل برحابة صدر رفض بلد مثل السعودية ـ تربطها به علاقات تاريخية ـ تجميد ارصدة أي مواطن سعودي، او منظمة اسلامية، إلا بعد ان تطمئن ـ عبر اجهزتها وبوسائلها ـ الى انهما متورطان بالفعل في تمويل الارهاب. ومع انني ـ كغيري من المثقفين في جيلنا الذين طالتهم البولسة بشكوكها وسياطها ـ قد ارتعبت بالفعل من القوانين التي استصدرتها الادارة الامريكية من الكونجرس والتي تضع قيودا ثقيلة على الحريات المدنية، ومع ادراكي ان هذه القيود سوف تطول الامريكيين المسلمين والذين هم من اصل عربي، او الملونين فضلاً عن انني ادرك ان فرض هذه القيود في امريكا التي تتفاخر على العالم كله بأنها بلد الحريات ربما تغير الضائقين بالحرية، في بلاد ألفت الحكم البوليسي والاستبداد السياسي كأمتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، بأن يواصلوا التضييق على حريتنا بدعوى انه يحدث في امريكا نفسها، إلا ان ذلك لا يلغى الحقيقة التي تقول ان الارهاب هو فاشية، لا تجلب إلا الفاشية، وأن الذين يمارسون العنف في الصراع السياسي هم، الذين يهيئون المناخ للعصف بالحريات الشخصية، ليس على صعيد الحكومات فحسب، بل وعلى صعيد المجتمعات كذلك، فالكتل العريضة من البشر، تريد ان تعيش في مجتمعات مستقرة يأمنون فيها على ارواحهم وممتلكاتهم، وهي على استعداد لان تؤيد ـ أو على الاقل تصمت ـ على كل تقييد للحريات اذا ما شاعت الفوضى او تطايرت الرصاصات والشظايا الطائشة، لتقتلهم في معارك سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل! الارهاب هو الحماقة التي تحول الدول الديمقراطية الى دول بوليسية وهو الذي اعطى الذريعة لامريكا لكي تبسط هيمنتها على العالم ولكي تبولس العولمة وتعسكرها. واذا كان من حقنا ان نعترض على الاسلوب الذي اتبعته الادارة الامريكية في مواجهة الارهاب، فمن واجبنا ألا نسكت على الارهاب ـ الذي هو بالطبع شيء غير المقاومة الوطنية المشروعة، وان نسعى لمقاومته ليس فقط لما يجلبه من مخاطر، أو لانه يهدر حقنا في الاختلاف، ولكن كذلك لانه لا يجلب إلا ارهابا مضادا..وعلى الرغم من ذلك كله تظل المخاوف من بولسة ـ وعسكرة ـ العولمة، مشروعة فمن الوارد ان يكون حرص الادارة الامريكية على ترضية الجميع مجرد تكتيك سياسي يهدف الى حشد اوسع تأييد لها، الى ان تخرج من مأزقها الراهن فتدير للجميع ظهر المجن، ولا تسقط ديونا او تقدم معونات او تساعد على اقامة دولة فلسطينية، ومن الوارد ان تستدير ـ بمجرد ان تنتهي من ابن لادن وطالبان ـ لكي تطيح في العالم ليخرج الجميع من مولد الحرب ضد الارهاب بلا حمص.. ذلك كله امر وارد اذا ما اكتفينا نحن العرب والمسلمين، بل نحن الجنوبيين بالجلوس امام شاشات الدنيا، نتأمل ما يجري في العالم، على طريقة عبدالسلام ضعيف، وعبدالرشيد مطمئن نقتات بهواجسنا ومخاوفنا، بدلا من ان يستثير ما يجرى، كل قدرتنا على الاستبصار والتنبؤ بما سوف يكون عليه عالم ما بعد الثلاثاء الدامي، وكل مقدرتنا على ان نحتشد ونتجمع لكي نحول دون بولسة العولمة، او عسكرتها، ولكي نقف ضد الهيمنة وضد الارهاب، من اجل عالم ترفرف في سماواته اعلام الحرية والاستقلال والتسامح والعدل. ـ كاتب مصري