يستطيع كثيرون ان يحشدوا العديد من الافكار، المتقاطعة والمتوازية حول توقعاتهم للسيناريو الذي سوف يحدث في هذا العالم بعد انتهاء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب حاليا، وقد يجنح ببعضهم خيال محموم الى تصور سيناريوهات قد يحظى بعضها بموافقة بعضنا، فيما قد يعتبرها آخرون مجرد اضغاث احلام، اما الغالبية منا فسوف يعتقدون ان الامور لن تتغير واننا بعد ان يزول غبار المعارك وادخنة الحرائق، ونخرج من هذه الدائرة الملتهبة، سوف نمسي على ما اصبحنا عليه. لكن المؤكد ان العالم بصورته التي نعرفها الآن، لن يعود مجدداً بعد انتهاء هذه الحرب بل ان الذي نراه ان هناك ملامح اخرى لعالم مغاير، تعتمل الآن وتتأهب للظهور، وان مؤشرات التغيير قد بدأت تطل علينا، وتقود الى احتمالات ممكنة وقريبة.. بل اقرب مما نتصور. عالم مغاير الوضع القانوني الدولي يتغير فترتيبات حرية انتقال رؤوس الاموال ـ على سبيل المثال ـ لم تعد كما كانت قبل شهرين اثنين، حيث اصبحت هذه الحرية تخضع للمراقبة والقيود على مستوى العالم، وهذا بطبيعة الحال سوف يقود الى معرفة كلية لحركة الاموال على مستوى العالم: اين تذهب؟ ولمن تسلم؟ وكيف تستخدم؟ وهي اسئلة تقتضي الاجابة عنها ملاحقة هذه الاموال في صورة لا يفلت منها الافراد ولا المؤسسات بل ولا الدول(!)، وطبيعة الحال انه عن طريق مراقبة المال يمكن ان تراقب الكثير من الامور، ليس في الناحية الاقتصادية فقط، بل والسياسية والعسكرية.. ايضا. ولكن الاهم في تغيير الوضع القانوني الدولي هو الاجابة عن سؤال مركزي وهو «ما مدى استمرار او عدم استمرار «الدولة الوطنية» وهي الدولة التي بشر بها رئيس الجمهورية الامريكي في ما بعد الحرب العالمية الاولى توماس وودروويلسون ـ فالنقاط الاربع عشرة التي وضعها هذا الرجل، وسرعان ما اصبحت مشهورة باسمه في تاريخ العالم، والتي من بينها حق تقرير المصير للشعوب المختلفة، قد نالت حظا وافرا من التقدير الذي ظل يتعاظم منذ ذلك الوقت، حتى صارت هذه المباديء دستوراً للعلاقات الدولية في عالمنا، بعد ان شهدت شعوب كثيرة استقلالها، انطلاقا من كونها دولا ذات سيادة... وما إن انقضى القرن العشرون حتى زال من الوجود ما كان يسمى بـ «الامبراطوريات القديمة» وقفز عدد الدول المستقلة من احدى وخمسين دولة وقعت على ميثاق الامم المتحدة سنة 1945 الى ان اصبح اليوم 189 دولة مستقلة. بيد ان هذه العائلة الكبيرة من الدول المستقلة قد عانى معظمها كثيرا من المشكلات التي استفحلت حتى فاقت قدرة هذه الدول على مجابهتها، وهي مشكلات اعيت الحكام تارة وكان الحكام انفسهم سببا في اندلاعها تارات اخرى (!) سواء كانت هذه المشكلات داخلية محلية او خارجية، او داخلية وخارجية معا، وليس هناك ادل من تفشي معضلات الفقر والجهل والمرض على عدم قدرة معظم البلدان المستقلة على حكم نفسها حكماً «مقبولاَ» يرضاه العقل المعاصر، وتقره القيم الدولية السائدة فيما يتعلق بكرامة الانسان وصيانة حقوقه المختلفة ـ اما الحروب والصراعات التي اندلعت عقب الاستقلال بين اكثر الدول المستقلة حديثا، وخاصة في افريقيا وآسيا، سواء كان الدافع وراء اندلاع هذه الحروب خلافاً على الحدود، او نزاعا على قضايا عرقية مزمنة، فقد اهدرت من اجلها هذه الدول مليارات الدولارات من ثرواتها المنهكة اصلا، كما خسرت دماء وأرواح الملايين من ابنائها، الى جانب ملايين اخرى شردت وهجرت من مواطنها لتعيش في العراء والجوع. ولعل هذه الحالة البائسة تصلح مدخلا للنظر بعين فاحصة الى مشكلة افغانستان، التي تعد ـ في حد ذاتها ـ مثلا وجيها للغاية على القضية التي نتحدث فيها الآن ـ فقد شهد هذا البلد المنكوب صراعات دامية على الصعد الاثنية كافة، عرقيا وطائفيا ومذهبياً، الى حد ان الاستقرار والامان قد صارا من قبيل العملة النادرة التي يقرب من المستحيل الحصول عليها، قبل الخوض في طريق طويلة من الدمار والدماء(!) واصبح حلماً بعيدالمنال ان يتوافق الفرقاء في هذا البلد على العيش المشترك في بيئة سياسية واحدة، ودولة وطنية تنصهر فيها الفئات جميعا، مع اعلاء شعار «وطن واحد.. ومواطنون متساوون». ولو اردنا مثالاً آخر، فهناك مشكلة العراق مع مواطنيه الاكراد الذين يخوضون صراعاً مريراً مع سلطة بغداد من اجل النظر بجدية لايجاد حل لقضيتهم. وهناك سيراليون التي اندلعت فيها حرب عرقية بشعة، دفعت المواطنين الى التظاهر بالآلاف ينادون بعودة الحكم البريطاني لبلادهم، بديلا من الحكم الوطني الذي تسبب في الهاب ظهر البلاد بسياط الفقر من ناحية، والصراعات العرقية من ناحية اخرى ليصبح البلد مثالا واضحا على سيادة دولة اللاقانون(!). ظهور دول جديدة اثر هذا الفشل الذريع الذي منيت به الحكومات في دول كثيرة من تلك التي استقلت في النصف الثاني من القرن العشرين، واخفاق هذه «الدول الوطنية» في اتاحة فرصة العيش المشترك لمختلف الاثنيات المكونة لشعوبها، واستيعاب الاقليات المختلفة في اطار من حماية القانون والدستور، اثر هذا الفشل من المحتمل ان يشهد العالم ظهور دول جديدة، مستندة الى مبدأ جديد، وهو «حق تقرير المصير» للاثنيات والاقليات والطوائف المختلفة التي لم تنجح مؤسسات الدول الوطنية في استيعابها تأسيسا على مبدأ «المواطنة المطلقة» التي تعني ـ بالضرورة ـ التساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات. ولعلنا نجد في السودان مثالا مطابقا لما نحن بصدده. فقد تعاقب على هذا البلد حكام وحكومات عدة، وامتد الزمن منذ الاستقلال وحتى الآن، ومع ذلك فإن مشكلة الجنوب السوداني وهي مشكلة اثنية في الاساس، ظلت تراوح في مكانها دون حل، على الرغم من الحرب الطويلة والضارية التي تخوضها حكومة الخرطوم ضد قوات الجنوب الانفصالية، التي تبحث عن حل يضمن لها «حق تقرير المصير» وقد فشل جميع حكام السودان في الاقتراب من دائرة الحل لهذه المشكلة التي كلفت البلد الذي يعاني الفقر ثروات طائلة ودماء غالية نزفها ابناؤه على الجانبين في هذه الحرب العبثية التي تبدو كنفق مظلم بعيد النهاية. ومن هنا فقد يظهر في العالم من ينادي بحق تقرير المصير «الاثني» في مثل هذه الحالة، ومثلها حالة الاكراد في العراق الذين لم تعد لسلطة الدولة الوطنية في بغداد اي سيطرة عليهم، وهم ينادون ايضا بحقهم في تقرير مصيرهم. ولقد تدخلت الامبراطورية الجديدة «الامم المتحدة» بقيادة الدول الكبرى المحركة لها، مرارا، لتقديم حلول ناجعة لمثل تلك المشكلات، مثلما تدخلت لفض العنف الذي اندلع في البوسنة وكوسوفو، وهز بشدة القارة الاوروبية التي ارادت ان تنعم بالسلام، بعد ان عانت كثيرا من الاضطراب والخراب، عبر الحروب الطويلة والمريرة التي خاضتها دولها فيما بينها، وخاصة في الحربين العالميتين. وقد تدخلت الدول الكبرى لفرض السلام بالقوة أولا ثم ظلت ترعاه وتعمل على صيانته من خلال ممثل عالي المستوى للامم المتحدة لانجاز هذه المهمة ـ وكان فرض السلام هناك باقامة دول جديدة للأعراق والاثنيات المتخاصمة التي لم تستطع التوافق على العيش في دولة وطنية موحدة ـ ومن المتوقع في السنوات القليلة المقبلة ان يزداد عدد هذه الدول الجديدة التي تقوم على اساس «حدود اثنية» بسبب عدم قدرة الدولة الوطنية القائمة في احضانها هذه الاثنيات على حل الصراعات بينها بالحسنى. تغير خريطة العالم لذا، من المتوقع ان تتغير خريطة العالم التي نعرفها، بظهور كيانات جديدة، ولاشك في ان تحقق هذه الفرضية سوف يتسارع بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر الفائت، لان لهيب الصراع وآثاره وثاراته، لم تعد محصورة في منطقة جغرافية محدودة، بل لقد تعددت بؤر هذا الصراع في مناطق كثيرة على خريطة العالم، نتيجة الفراغ الامني الذي ولده قصور الدولة الوطنية عن استيعاب شعوبها بمختلف فئاتها وجماعاتها الاثنية. ولذلك فإن الاسرة الدولية لم ترسل الى هذه المناطق المشتعلة بالنزاعات الاثنية فقط جنوداً عسكريين لحفظ السلام، بل ارسلت كذلك رجال الشرطة، والقضاة ومأموري السجون ورجال البنوك المركزية وغيرهم، مدعومين بتمويل من الامم المتحدة لتقديم المساعدة لهذه الدول التي عجزت نخبها عن حكمها. تحولات الدولة الوطنية في الوقت الذي تتوحد فيه مجموعات من الدول على اسس قانونية، بعد ان رأت في اتحادها تحقيقا لخير شعوبها، كما نشاهد مثلاً في تجربة الاتحاد الاوروبي، ودول جنوب آسيا، وغيرهما.. نرى على الجهة الاخرى الواناً من العجز في اكثر الدول المستقلة حديثاً عن تحقيق الخير بمعناه المعاصر، وهو سيادة القانون واعلاء حقوق المواطنة وقبول التعددية نتيجة فشل الدولة الوطنية في تحقيق هذا الانجاز. ومن ثم فإنه تلوح في الافق الدولي نذر تكشف لمن يقرأها بجدية وحذق ان «الدولة الوطنية» بصورتها التي عهدناها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، اخذت تخطو خطواتها الاولى على طريق التحول، في ظل التغيرات الدولية المتعاظمة والمتسارعة في وقت معا. وفي هذه المرحلة الضبابية التي يتجه فيها الماضي الى الافول بخطى سريعة ـ بينما الواقع الجديد لم يولد بعد ـ يمكننا ان نتوقع الكثير والكثير.. حتى تلك الامور التي ظل بعضنا طويلا يعتقد انه ضرب من الخيال، أو شطحات لا يمكن ان تتحقق ابدا. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت