كلما حققت قوات المعارضة الشمالية في افغانستان انتصارا عسكريا على طريق الزحف الى العاصمة كابول كلما ابتعدت سياسيا عن هدف الفوز بالسلطة، فالتقدم العسكري لجيش شمالي يمثل اقلية الطاجيك والأوزبك المعادية لاي وجود باكستاني داخل الاراضي الافغانية، يثير مشاعر الغضب لدى حكومة الجنرال برويز مشرف، وبالتالي مشاعر القلق لدى واشنطن تخوفا من خروج باكستان من «التحالف الدولي» بقدر ما يستفز قومية البشتون في الشرق والجنوب التي تمثل 60 في المئة من الشعب الافغاني. هذا هو المنظور الذي ينبغي من خلاله ان نتأمل مغزى سقوط مدينة مزار الشريف، العاصمة الاقليمية في الشمال الافغاني في ايدي قوات المعارضة، ولقد تحقق هذا الانتصار الشمالي بمساعدة امريكية تمثلت في عمليات قصف جوي مكثف على الخطوط الامامية لقوات طالبان. ونظريا يفتح هذا الانتصار الاستراتيجي الطريق البري المؤدي الى العاصمة كابول، مقر الحكم المركزي، لكن على صعيد واقع الصراع السياسي فان الامر مختلف، فان تحقق المعارضة الشمالية اختراقا عسكريا يؤدي الى اضعاف قوة طالبان شيء .. وان تضع يدها على جهاز السلطة المركزية لتنفرد بالحكم او تفرض نفسها كقوة غالبة في صيغة حكم ائتلافية شيء آخر أول من يرفضه غالبية البشتون ومن ورائهم باكستان حكومة وشعبا .. وعلى خط مواز ترفضه الولايات المتحدة بناء على تعهد اعطته مسبقا للجنرال مشرف كأحد الشروط الباكستانية للمشاركة في «التحالف الدولي». فماذا يحدث بعد سقوط مزار الشريف؟ اغلب الظن ان الصراع الافغاني الدائر مع مشاركة قوى خارجية في الخلفية سوف ينتقل من الدائرة القتالية الى الدائرة السياسية. هذا لاينفي ان الانتصار العسكري الذي احرزته قوات المعارضة الشمالية قد يغريها بمزيد من الزحف جنوبا لكن الولايات المتحدة قطعا لن تسمح لها بدخول كابول. وبنفس القدر فان قوات طالبان ربما تشن هجوما مضادا لاسترداد مزار الشريف (كما فعلت قبل ذلك مرتين). اجل ان الهدف الاستراتيجي وهو القضاء على طالبان وتدمير تنظيم «القاعدة» يبقى قائما، لكن من يخلف طالبان في السلطة ؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي ان تحصل واشنطن على اجابة عملية عنه قبل تصفية حكم طالبان، فلن يكتب البقاء طويلا لسلطة جديدة في كابول تتكون من عناصر الاقليتين العرقيتين ـ الطاجيك والاوزبك ـ فقط فتكون كجزيرة صغيرة وسط محيط بشتوني. سوف تشتعل اذن معركة الصراع السياسي على الحكم في افغانستان بمشاركة كافة القوى السياسية والعرقية ومن ورائها القوى الخارجية التقليدية باكستان وايران وروسيا في الجوار الجغرافي .. بالاضافة الى الولايات المتحدة، وحتى الفصائل التي تتكون منها جبهة المعارضة الشمالية التي استلمت مزار الشريف تتعارض رؤاها السياسية مابين فصيل عبد الرشيد دوستم الماركسي وحزب برهان الدين رباني ذي الاجندة الاسلامية و «حزب الوحدة» الذي يتساوى في رؤيته الشيعية حزب رباني مع طالبان. والى ان تستوثق واشنطن من تبلور اتفاق كامل بين القوى والعرقيات الافغانية المتصارعة على صيغة حكم ائتلافي مرضية للجميع فانه لن يكون بوسعها مساعدة او تشجيع قادة المعارضة الشمالية وحدها للزحف عسكريا الى كابول، ولكن المؤتمرات والمشاورات المرتقبة التي ستعقد لهذا الغرض قد تستغرق شهورا .. وقد لا يتسنى عند نهاية المطاف التوصل الى اتفاق نهائي. لقد اقحمت الولايات المتحدة نفسها في المسرح الافغاني بأجندة عسكرية انتقامية متجاهلة الحسابات السياسية، وهاهي الحسابات السياسية تفرض نفسها الآن فرضا.