التعرف على الموقع الحقيقي لعرب 48 في برامج حركة التحرر الفلسطيني، ليس هدفا سهل المنال. فنحن اذا تتبعنا الخطوط العريضة الأكثر شهرة من هذه البرامج، لن نعثر على تكييف دقيق لمكانة هذه الشريحة التي خضعت للسيطرة الاسرائيلية منذ عام 1948 أكثر من مليون نسمة الآن وفي عملية التسوية الجارية بشكل متعثر منذ عشرة أعوام، أهمل المفاوض الفلسطيني مصير عرب 48 وخضع للمبدأ الاسرائيلي الرامي الى استبعادهم من المسار العام لمستقبل الشعب الفلسطيني، رغم أنهم جزء أصيل منه. هذه المقاربة الفلسطينية التي يصعب تفسيرها، تضفي قدرا من الغموض والضبابية على مصير أية تسوية للقضية الفلسطينية الأم لكن أحدا لم يلتفت الى هذه النتيجة بالجدية الواجبة إذ كيف يمكن الاطمئنان الى شمولية مثل هذه التسوية وديمومتها، وهي تستبعد التعرض لكتلة فلسطينية بهذا الحجم، لاسيما وأن النوازع الوطنية والقومية، الفلسطينية والعربية لهذه الكتلة، مازالت مؤازرة وتظهر بفعالية ملحوظة كلما كانت هناك فرصة لذلك. إن المشاركة في فعاليات انتفاضة الأقصى بين الحين والآخر، مجرد مثال واحد على هذه الحقيقة. تحتاج هذه الجوانب الى جهد بحثي فكري وسياسي معمق قد نحاول المساهمة فيه في مقام لاحق.. لكن مايعنينا أكثر الآن أن الضبابية وعدم الوضوح ليسا من خصائص السياسة الاسرائيلية تجاه موقع عرب 48 داخل الدولة اليهودية، وذلك خلاف للحاصل على الجانب الفلسطيني. هناك مؤشرات صارخة الدلالة على ان هذه الدولة غير قادرة على هضم عرب 48 في تضاعيفها وهي ايضا غير مؤهلة لادماجهم في صلبها وبنيتها بشكل حقيقي. وفي الوقت ذاته، فإن المشروع الصهيوني لا يستطيع يقينا الاستمرار في سياساته لعزلهم وتفريغهم عن محتواهم الثقافي أو الوطني أو القومي. عرب 48 يعيشون كمنجل في حلق اسرائيل. ومن المقرر أن تدوم هذه الوضعية المؤلمة طالما ظلت الفكرة الصهيونية هي العقيدة الحاكمة لسلوكيات هذه الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وفي تقديرنا ان هذه القاعدة العامة هي التي تصلح كاطار لتحليل مكانة الاقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل، بغض النظر عن أية انطباعات تتعارض معها ظاهريا، مثل المشاركة العربية في العملية السياسية، ووجود الأحزاب العربية، وتبوؤ بعض العرب لمناصب رفيعة في الحكومة الاسرائيلية، وقبول منافسة مرشحين منهم لرئاسة الوزارة، والتسامح مع انتقاداتهم العلنية لبعض ممارسات النظام السياسي تجاههم في الداخل أو اتجاه القضية الفلسطينية في الخارج. الصهيونية بحكم تعريفها وممارساتها ايديولوجية عنصرية، تربط مابين اليهود والأرض الإله. ولا يسع رابطة مقدسة كهذه أن تحتوي العنصر العربي الدائرة هنا مغلقة، لا مجال لاختراقها من جانب الأخرين، عربا كانوا أم غير عرب. وفي هذا السياق يصبح العرب مجرد موجودات بشرية مقيمة بين ظهراني الدولة، التي يراد لها أن تظل اطارا للمجتمع اليهودي الصرف، أرضا وشعبا وحاكمية. والواقع أن العقل السياسي الصهيوني الاسرائيلي أمعن النظر في سيرورة عرب 48 ومكانتهم في الدولة اليهودية، وطرح البدائل بهذا الخصوص راوحت بين: ادماجهم واستبعادهم بالمعنى الفكري وليس المادي أو استئصالهم وطردهم خارج جغرافية اسرائيل ومستوطنيها اليهود، وبين هذين الحدين على متواصل التصورات المطروحة، نعثر على أفكار وبدائل أقل تطرفا من الادماج والطرد، كالعزل العنصري والتهميش السياسي والاقتصادي وتعويم الهوية الذاتية، بهدف تحويل العربي الى موزاييك بلا رابطة أو أصرة جماعية مميزة. ان حلولا كهذه سوف تسهل، بنظر الغيورين على نقاء هوية الدولة اليهودية، التعامل مع الاقلية العربية بدون الاضرار بهذه الهوية. في السيرة الذاتية لعرب 48، هناك مايؤكد المساعي الاسرائيلية لتطبيق هذه المقترحات، وفشلها جميعها. بمعنى أن كل البدائل المشار اليها قد تحولت الى سياسات وبرامج تبنتها النخبة اليهودية الصهيونية الحاكمة في الواقع التطبيقي. الا أنها اخفقت بسبب مجافاتها للمنطق السوي، منطق العلاقة بين المجتمع الأصيل والتجمع الاستيطاني الاستعماري. فمشهد الدمج في تضاعيف الدولة اليهودية، يتعارض جذريا والابقاء على مسافة تفصل بين اليهود والعرب، تلك المسافة التي تنشأ عن اللامساواة لصالح الجماعة اليهودية على مستويي الحقوق والواجبات والجدير بالذكر أنه يكاد يكون من المستحيل شطب هذه المسافة في حياة الفكرة الصهيونية ومضامينها التطبيقية، فإما المساواة واما الصهيونية ولأن ازاحة هذه الفكرة تطيح بأرضية قيام الدولة اليهودية. فإن النتيجة محسومة سلفا. أما مشهد العزل الاقليمي والتفتيتي البنيوي للعرب، على أساس جغرافية أو دينية طائفية أو قبلية أو طبقية، أو وفقا لهذه الأسس دفعة واحدة، هذا المشهد أعلن فشله عمليا. لقد حاولت الحكومات الاسرائيلية تطبيقه حين اعتبرت أن عرب 48 هم مجموعة من الاقليات لا أقلية واحدة. وبهذا استهدفت نزع الصفة القومية الجماعية عنهم غير أن هذا المسعى بان الخسران المبين، ولا نحسب انه سيواجه بغير ذلك في المستقبل القريب أو البعيد. ذلك لأنه يتناقض أولا مع حقيقة الهوية القومية الواحدة لهذه الشريحة، ويتناقض ثانيا مع حقيقتين أخريين عالميتي الانتشار: صعود الروح القومية بين جماعات طال الظن باندثارهم وذوبانهم في البلقان واسيا الوسطى مثلا، وسرعة التواصل الإنساني عموما ضمن تيار العولمة الزاحف. هذا دون الحديث عن تداعيات النهوض الوطني القومي الفلسطيني العام على بعد أمتار من هذه الجماعة الفلسطينية التي تريدها اسرائيل بلا جذور او امتداد قومي! كل هذه الحيثيات والمعطيات الموضوعية، تتيح لعرب 48 التواصل بين بعضهم البعض وكسر دائرة العزلة عنهم بمختلف معانيها داخليا واقليميا، ولا حاجة بنا لسرد الامثلة على ظاهرة باتت من ثوابت حياتهم لقد زال مايسمى بالخط الأخضر بينهم وبين مواطنيهم التاريخيين والقوميين في الارض المحتلة عام 1967 كما أن تقنيات الاتصال اضعفت الفاصل الذي اصطنعته اسرائيل بينهم وبين أرومتهم القومية العربية الأكبر. ذات حين، كانت اسرائيل تحظر على عرب 48 اقتناء المذياع الترانزستور لئلا يستمعوا الى البرامج الاخبارية العربية وخطب الرئيس الراحل عبدالناصر! في كل حال، فإنه بدلا من آليات العزل والقطيعة التي استهدفت نبذ هذه الشريحة في كانتونات ومعازل متعددة الأنماط، جغرافيا وثقافيا، وسياسيا بالطبع، إذا بهؤلاء يطالبون كحد أدنى بحكم ذاتي يستحقونه كأقلية قومية، محتجين، عن حق وجدارة، بأنهم هم الأصل في بلادهم، والتجمع الصهيوني اليهودي هو الوافد الطارئ عليهم. ولم يكن البديل الداعي لطرد عرب 48 أوفر حظا من سابقيه علينا ان نتذكر بالخصوص، ازدحام الكيان الصهيوني بالقوى الارهابية التي تجرأت على تبني دعوة الطرد الترانسفير بلا وازع من قانون أو اخلاق. هذا مع العلم بأن مختلف ألوان الطيف السياسي هناك عبرت، بدرجات متفاوتة من الوقاحة، عن التعاطف مع هذه الدعوى. وفي خمسينيات القرن الماضي، أراد زعماء من حزب الماباي العمل حاليا بما فيهم موشى شرتوك المصنف تاريخيا كحمامة، تنفيذ مخطط لطرد الاقلية العربية الى أمريكا الجنوبية وقد مورست ضغوط على المسيحيين بخاصة لهذا الغرض وحدث الشئ ذاته في الستينيات، حين تم ترتيب مشروع لنقل اعداد كبيرة منهم الى ليبيا. لا دليل على تخلي القوى الاسرائيلية الحالية عن مشهد الطرد، وبينهما من يطمح في حدوث مايبرر اللجوء الى هذا البديل. وكان رحبعام زئيفي وزير السياحة الذي اغتيل في أكتوبر الماضي، يرأس حزب اسرائيل بيتنا أحد أبرز القوى الداعية لذلك داخل حكومة شارون! ولكن لا دليل على امكانية تحقق هذا المشهد في الواقع، على الاقل بالسهولة التي عرفناها في غمرة حرب 1948 - 1949 فعرب 48 متمترسون في مواقعهم. وهم يدركون أية مهانة تنتظرهم ان غادروا أرضهم تحت أي ظرف. ويقينا فإن تجربة الفلسطيني المزرية تفعل فعلها في عقلهم الجمعي. ثم أن البيئتين الاقليمية والدولية لا تسمحان بتكرار سيناريو 1948 وفقا لطموحات غلاة الصهاينة في اسرائيل. اذا كان الحال كذلك، فلماذا يخوض هؤلاء معركة المساواة والمواطنة الكاملة؟ ماسر تشبث عزمي بشارة وجماعته بهذا الخيار الديموقراطي، وهو من أكثر عرب 48 دراية بالطبيعة اللاديموقراطية لاسرائيل، وبأنها في التحليلين الأول والأخير دولة لليهود فقط. تحمل هذه التساؤلات تعبيرا عميقا عن أزمة التبعية السياسية التي تعايشها هذه الشريحة، وعدم الاتساق والمكانة المغلقة التي تجابههم على مدار الساعة: بين مشروع فلسطيني مذبذب تجاه مصيرهم، لم يتعرض لمستقبلهم بالوضوح المطلوب، وبين مشروع أو كيان صهيوني لافظ لهم بالحتمية. لا نقصد بمفهوم الأزمة هنا أي تشكيك في ولاء عرب 48 المحسوم الى جانب هويتهم الوطنية والقومية فلسطينيا وعربيا. نحن نشير فقط الى صعوبة التفضيلات السياسية النظامية التي فرضت عليهم بحكم مسار الصراع الصهيوني العربي شديد التعقيد. ورغم المخاطر المتوقعة على سلامتهم فإن نفرا من نخبة عرب 48 الفكرية والسياسية، يبذلون جهودا جبارة لمعالجة هذه الأزمة، عزمي بشارة واحد من هؤلاء الذين حققوا اختراقات في مجال المواءمة بين الانغماس في النظام الاسرائيلي لدمقرطته من الداخل وبين صيانة الهوية القومية للعرب في اطار هذا النظام. وكانت لديه جرأة ترشيح نفسه لرئاسة الوزارة ضد ايهود باراك عام 1999. لكن الطبيعة الصهيونية المتأصلة بخصائصها الموجزة اعلاه، أطلت بقوة لمواجهة بشارة ووأد اتجاهه نحو المواطنة المتساوية في دولة تدعى الديموقراطية ومؤخرا صوت الكنيست الاسرائيلي البرلمان لرفع الحصانة النيابية عنه تمهيدا لمحاكمته على مايعد بنظر الدولة اليهودية مخالفا لمثلها السياسية والايديولوجية! هذا الموقف الصهيوني ازاء بشارة لا يبشر بخير بالنسبة لمستقبل عرب 48، ففي اللحظات التي تستشعر فيها نخبة الحكم الصهيونية خطرا على هوية الدولة وتوجهاتها، فإنها تستنفر أدوات القمع لاعادة تذكير هذه الاقلية، لاسيما العناصر المتمردة منها، بأن اسرائيل دولة لليهود فقط. ولعل خطيئة بشارة انه أوغل في تجاهله لهذه الحقيقة، رغم انه من أكثر الذين خبروها عن كثب، نظريا في أعماله الفكرية الممتازة، وعمليا اثناء عضويته في الكنيست وزعامته لحزب عربي هناك. ـ كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة