هل يعقل ان الدول الفقيرة تحتاج لاكثر من اربعمئة عام لكي تصل الى ما وصلت اليه الدول الغنية اليوم؟ في حسبة الذين يعتاشون من احلام اليقظة يحدث اذن شريطة ان تبقى الدول الغنية عند النقطة التي هي عليها الان، والا فان مسألة «الحق ما تلحق» لن تفيد فالمال سلطة وجاه وقوة ولا يشبع ابن ادم حتى التراب. وما يحدث الان هو تصادم بين احلام اغنياء العالم وحقوق فقرائه، وما يحدث الان هو أن صناع العالم وتجاره الكبار يريدون تعبيد الطرق وفتح البوابات والنوافذ لصناعاتهم وبضاعاتهم، تعاملاتهم الكونية التي يحلمون بها ان صح القول. وانهم في سبيل تحقيق ذلك يرون ان المساحة التي يريدون غزوها بأحلامهم الجبارة مليئة بحفر وكهوف «التخلف» بشتى انواعه، تخلف اقتصاديات الفقراء، تخلف انظمتهم، تخلف بنياتهم التحتية، تخلف حتى ثقافاتهم وأدق تفاصيل قناعاتهم الشخصية، وفي المقابل، وحسبما يرون فان ذلك كله يحتاج الى اعادة ترتيب من اجل ان تعبر البضائع والاموال والافكار الجديدة البحار والمحيطات والانهار والشعوب حتى غرف النوم. اذن الكبار من الاغنياء يريدون عالما مرتبا، مهيأ لتلك الاحلام الكبيرة، وهذا اذا نظر اليه من نافذة النوايا الصالحة، النوايا الانسانية الصادقة قد يكون فيه صلاح للفقراء حينما تعبر الاموال الضخمة العالم كما تعبر سحب الغيث، تمطر هنا، تمطر هناك، وكل تاجر صادق عينه دائما على سوق آمنة من اللصوص والغش، الا ان ذلك لم يحدث في التاريخ البشري والمقولة البسيطة عندنا « التجارة شطارة» هو مبدأ عالمي حتى ولو بات الفقير يصارع جوع بطنه. يعد المنشغلون بأمر التجارة العالمية اليوم وهم الصناع والتجار الكبار الشعوب الفقيرة بمزيد من الخبز وبمزيد من الرفاه لكنهم لا يعدونهم بمزيد من الامن، ولا بمزيد من جهود ازالة التخلف، ولا بمزيد من محاربة الاوبئة والكوارث البيئية، ولا بمزيد من العدالة، ولا حتى بمزيد من الضمانات التي تكشف عن نوايا حسنة لعولمة شروط جديدة في الاقتصاد العالمي، لانه في النهاية هناك موازين وهناك اتفاقات ومعاهدات وضعها العالم لنفسه اكتشف اليوم انها لا تحقق مصالحه الا في جانب واحد وبانحياز تام. الرقم الذي يحدد حجم جياع العالم مخيف جدا، والرقم الذي يحدد حجم المشردين في العراء مذهل، وحجم تسميم البيئة بمواد صناعية ملوثة والجرائم التي ارتكبت في حق شعوب آمنة تكشف مدى طمع الصناع. والمنطق المقنع لأي فقير يستمع ببلاهة لتاجر يشرح تفاصيل مشروع جديد هو ان يشعر ان لقمة «الزاد» القريبة من فمه ليست مهددة بالخطف المفاجيء!