ايام قليلة انقضت على يوم الثاني من نوفمبر الذي يستدعيه العقل الجمعي العربي كل عام بوصفه ذكرى وعد بلفور. والناس في وطن العرب يذكرون هذا الوعد الذي كان من شأنه سلب الوطن الفلسطيني وينسبونه الى اللورد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا التي كانت عظمى وقت صدوره في عام 1917. ولقد تراءى لنا ـ رغم اننا في شغل من امور شتى ـ ان نبحث عمن قام بصياغة عبارات هذا الوعد (وهو في حوليات السياسة الانجليزية يحمل اسم «التصريح») وبديهي ان معالي وزير الامبراطورية البريطانية لن يجلس الى مكتبه الفاخر المصنوع من الماهوجني أو الأبنوس ويغمس ريشته بسنها المعدني الصلب في دواة الأحبار لكي يعد مكاتبة أو يصوغ تصريحا حسب الوزير ان يقرأ ما اعده الآخرون قد يسبق الاعداد توجيهات عليا يصدرها الوزير أو من هم فوقه من مسئولين كبار وحسبه ايضاً ان يراجع ما تم اعداده.. يغير كلمة هنا ويضيف كلمة هناك. والحاصل ان افضى بنا البحث الى كتاب صدر عام 2001 الحالي في لندن بقلم «ادريان ويلي» تحت عنوان عجيب يقول: «الخونة.. الوطنيون». وقبل ان نفسر لك ـ ما استطعنا ـ هذا التناقض العجيب، يكفي ان نقول ان الكتاب أتى عرضا على ذكر الرجل الذي صاغ وعد بلفور الكئيب المكروه.. اسمه ليو أمري وكان وزيراً في حكومات متعاقبة في بريطانيا ـ ربما على سبيل المكافأة ـ على امتداد عقد العشرينيات، فيما كان يعد كما تقول سطور الكتاب المذكور من وحوش غابة السياسة الانجليزية منذ فاتح القرن العشرين (اسمه ـ ليو ـ مستمد من اسماء الأسد والمعنى هنا لا يشير الى شموخ السبع الهصور بقدر ما يشير الى وحشيته وبطشه وضراوته). ولم يكن صدفة ان يترك الوزير ليو أمري هذا تركة ثقيلة فادحة اصابت بلادنا في وعد بلفور وعقابيله ثم اصابت بلاده نفسها لا على شكل الوعد الذي قام بتدبيجه حيث بات يصدق عليه الوصف البليغ الذي طرحته السياسة المصرية في الستينيات وهو «لقد اعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق» بل كانت البلية الاخرى التي تخلفت عن صاحبنا هي ابنه شخصياً وهو الذي دارت حول حياته وأفعاله بل افاعيله معظم سطور هذا الكتاب. حكاية هذا الابن وكان اسمه جون امري مازالت مبغضة الى نفوس الاجيال المخضرمة من البريطانيين ببساطة لأنها في رأيهم حكاية خائن للوطن وخاصة حين كان الوطن يخوض صراعاً دموياً ـ حالة حرب ـ مع عدو خارجي والاشارة في هذا السياق الى فترة الصراع بين بريطانيا والمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. كان جون هو الابن الاكبر للوزير الخطير ليو امري حين ألحقوه بالمدرسة في عام 1925 هرب منها الى فرنسا وفي جعبته مسدس والده ومحفظة الوالد التي كانت مفعمة بالطبع برزم الاسترليني وحين اعادوه لعل الله يهديه.. ظل متمرداً ومنحرف السلوك لا يشغف سوى بمصاحبة الساقطات وحين زوجوه اختار «المدام» من بغايا الشوارع في عاصمة الانجليز مثل هذه الشخصية مكتوب عليها ان تنحرف باستمرار عن السلوك القويم ولا ادري ان كنت تذكر جملة من أظرف ما يكون نطق بها الكوميديان الموهوب سعيد صالح في مسرحية بعنوان «العيال كبرت» وقال فيها عن الشخصية التي يمثلها: انا عندي استعداد للانحراف.. بس موش لاقي حد.. يوجهّني(!). ومن عجب ان انطبقت الجملة التهكمية الساخرة على صاحبنا «جون امري» لقد جاءته فرصة التوجيه الى الانحراف حين احتلت قوات النازي فرنسا حيث كان يقيم مع نشوب الحرب الكونية الثانية ويومها جندوا «الاخ» جون لحساب اعداء وطنه واعلنوا على موجات الراديو انه سوف يقدم اذاعات يومية من راديو برلين لمهاجمة حكومة انجلترا وطبعاً الاشادة بعظمة الفوهرر ادولف هتلر واياديه البيضاء على الانسانية جمعاء. وكان يوماً اسود من قرون الخرّوب كما يقول المصريون بالنسبة للأب لصاحب المعالي ليو امري الذي اصبح وزيراً خطيراً مسئولاً عن شئون الهند وبورما (يعني وزيراً استعمارياً حتى النخاع) في حكومة الحرب التي شكلها ونستون تشرشل وفي مثل هذه الايام بالتحديد مساء يوم 19 نوفمبر من عام 1942 جلس السيد ليو يسمع الراديو كأنما يتجرع في اذنيه صبيب السم الزعاف (يستاهل! ألم يقم بصياغة وعد بلفور؟) وكان معه جماهير مستمعي الراديو في انجلترا وقد حولوا المؤشر الى محطة برلين الناطقة بالانجليزية حيث جلجل صوت المذيع الألماني من اعوان وزير الدعاية الهتلري الشهير جوبلز يقول: ـ أيها السادة: تسمعون هذه الليلة رجلاً انجليزياً يتحدث اليكم بمحض ارادته الحرة اليكم السيد: جون امري. وبعدها كاد الوزير البريطاني ـ الاستعماري العتيد يكذب اذنيه ومع ذلك فها هو نجله العزيز.. بنبراته الثاقبة التي يعرفها يهاجم وطنه انجلترا ويتمدح بعظمة العدو النازي عبر الاثير، وبالطبع كانت كلمات واذاعات الأخ امري مثل طلقات رصاص مسموم في اسماع الانجليز وهم يحاربون معاركهم على جبهات شتى مع هتلر والى جانب هذه الاذاعات التي كانوا يسمونها «وطنية» فيما وصفها الانجليز طبعاً بأنها «خيانية» (ومن ثم جاء عنوان الكتاب الصادر هذا العام) قام جون امري بزيارات خلال سنوات الحرب الى عواصم اوروبا التي كانت تحت الاحتلال النازي حيث كان يلقي خطابات ويدلي بأحاديث.. وعندما جاءت نهاية الحرب عام 1945 ومن ثم سقوط المحور بالهزيمة كان امري هذا يعمل لحساب نظام موسوليني الفاشي في شمال ايطاليا وبعدها قبضوا على «المذيع الهمام» وقدموه امام محكمة اولدبالي الانجليزية الشهيرة في 28 نوفمبر (كله في شهر نوفمبر.. الفضيل) من عام 1945 حيث اعترف بأنه مذنب في جميع ما نسب اليه من جرائم حاول صاحب المعالي والده ان ينقذه من مصير محتوم فاستأجر له اكبر أخصائيين نفسانيين لزوم الفتوى بأنه غير سويّ السلوك ولكن المحكمة لم تأخذ بهذا التشخيص خاصة وقد نشطت عناصر اليسار في بريطانيا وقتئذ مؤكدة على انه لا ينبغي ان يفلت خائن من العقاب لمجرد انه ابن وزير كان صديقاً للمستر تشرشل على امتداد خمسين عاماً. الى هنا والجريمة عادية او شبه عادية.. جريمة انحراف سياسي وخيانة وطنية.. لكن غير العادي فيها هو ما جاء الكتاب اياه ليكشف عنه النقاب سر ظل حبيس ارشيف المحفوظات البريطاني على سنوات نصف القرن الماضية. وأصل الحكاية ان اعتمد النازي خطة وافق عليها هتلر شخصياً وقام بوضعها وزير خارجيته روبنتروب وبمقتضاها اختاروا المتمرد البريطاني الشاب جون امري ليستخدموه «طعماً» لجذب بريطانيا نحو السلام مع المانيا.. وكانوا قد ارسلوا الخطة السلامية الى تشرشل ورفاقه وارادوا ان يتحسسوا موقف لندن ازاء مقترحاتها.. وقصدوا بأحاديث امري من اذاعة برلين ان تحتوي مواد اودعوها بالعمد بين السطور لتؤكد جدية مشروع السلام مع بريطانيا الذي كان هتلر قد عرضه سراً منذ عام 1940 ومن بنوده ان تلتزم المانيا بعدم التدخل في شئون الامبراطورية البريطانية مقابل ان تقبل بريطانيا بمركز المانيا في اوروبا. في هذا الصدد يقول الكتاب الذي نشير اليه: ـ وكانت برلين تأمل بأن تلقى هذه العروض آذاناً مصغية في لندن اذا ما جاءت ضمن اذاعات يوجهها نجل واحد من وزراء المستر تشرشل هكذا تحدد مصير هذا النجل جون امري وكان مصيراً لا يسر بحال من الاحوال. ففي التاسعة تماماً من صباح 19 ديسمبر عام 1945 دخل البرت بيربوانت وكان يتولى على سن ورمح منصب كبير جلادي صاحب الجلالة البريطانية ـ عشماوي كما يسميه المصريون ـ الى الزنزانة الخصوصية في سجن وندزورث في جنوب لندن، كان يستعد للحظة تنفيذ الحكم وكان ضحيته في ذلك اليوم رجل قصير القامة ضئيل الجسم في مقتبل الثلاثينيات.. ولدهشة الجلاد فوجئ بأن «زبونه» يستقبله قائلاً: مرحبا عزيزي.. كم كنت ارغب في لقائك لكن ليس في هذه الظروف بطبيعة الحال..؟