ربما كان من العبث محاولة إقناع صانع القرار الأمريكي بأنه إنسان يعيش حالة تورم مرضي في كثير من نواحي رؤيته وتفكيره ونظرته للآخرين. وإذا أضفنا إلى معرفتنا حقيقة أنه منذ أقيمت أول مستعمرة أوروبية في أمريكا الشمالية: نزول جون سميث في فرجينيا عام 1606 إلى إنشاء الدولة بالاستقلال عام 1776 كانت بعض دوافع الاستعمار أو الاستيطان ونظرة المستوطنين توراتية ـ تلمودية تقوم على أنهم شعب الله المختار المكلف بمهمة تشمل العالم كله، وفي هذا الإطار المفهومي ـ العنصري ـ الاعتقادي كانت النظرة للهنود الحمر ومن ثم للعبيد المستقدمين من إفريقيا أولئك الذين لم يكونوا ولن يكونوا أبداً أكثر من عوامل لدعم الاقتصاد والربح عند المستعمر الأنجلوسكسوني. ويتوهم من يعتقد أن هذه النظرة تغيرت جذرياً، ولكن بعض التطور طرأ عليها فجمّل سطحها وألبس بشاعتها قشرة وبعض الأقنعة مبقياً على الجوهر كان «الرواد» يريدون أن يقيموا مملكة الرب ومملكة صهيون في أرض انتدبهم الرب لإعمارها منطلقاً لإدخال العالم كله في بوتقتها وتحت مظلتها. وعندما أنجزت أجيال متتالية تلك المهمة وامتلكت القوة بمعناها الشامل، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تخرج بمشروعها إلى العالم مبتدئة بالتركيز على تكريس صهينة فلسطين والعداء لكل ما يمثله تاريخها العربي ـ الإسلامي ومن يهتم بشأنها من العرب والمسلمين وعقداً بعد عقد من الزمن وإدارة بعد إدارة من حكومات الولايات المتحدة تأكدت الشراكة الاستراتيجية ـ العنصرية ـ الاستعمارية بين توجهين عنصريين نشأ الفرع الأمريكي منهما على الجذع اليهودي في إطار التوراة والتلمود وتاريخ العداء للأمم للغوييم، ولكن الغوييم تم حصرهم واختصارهم هذه المرة ليكونوا العرب والمسلمين®. العروبة والإسلام. ولو أننا تتبعنا مراحل مفصلية في الصراع العربي الصهيوني لوجدنا أن الشراكة الاستعمارية العنصرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني تنمو وتتعزز على حساب القوى والمؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، ولوجدنا أن المصلحة الأمريكية الأولى في الوطن العربي أصبحت النفط وإسرائيل ، أو إسرائيل والنفط، في تداخل عضوي. ومنذ أكثر من عقد من الزمن أقصت الإدارة الأمريكية كلياً جميع الأطراف عن موضوع الصراع العربي ـ الصهيوني والبحث في حلول له، واستأثرت هي بذلك مكملة ما بدأته في نهاية عقد السبعينيات في كامب ديفيد. وكان مجلسا الكونجرس في قضية القدس سباقين للكنيست من حيث التأكيد على أنها عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل ومن حيث الدعوة إلى نقل سفارات الدول المعترفة بدولة إسرائيل إلى القدس، وكانت الإدارة الأمريكية سباقة في ممارسة كل أنواع الضغط والتهديد، والإغراء في حالات، لجعل دول عربية وإسلامية تعترف بالكيان الصهيوني وتطبّع العلاقات معه، وكما كانت وما زالت وراء مشاريع كثيرة في المجال الثقافي والاقتصادي تهدف إلى إحداث اختراق في الحياة العربية وتخريب في مقومات الشخصية الثقافية لمصلحة العدو الصهيوني، وتعمل على تطبيع العلاقات معه. ومن تمويل الاستيطان ورعايته إلى تمويل الاحتلال ورعايته صالت الولايات المتحدة وجالت وأشهرت أسلحتها وقدمت كل أنواع الدعم لتجعل الكيان الصهيوني متفوقاً على العرب والمسلمين مجتمعين ولتضمن أمن إسرائيل وتفوقها ورفاه شعبهاس بوصف ذلك استراتيجية ثابتة لها والتزاماً أخلاقياً منها تجاه الكيان الصهيوني. لم يكن الطابع العنصري الاستعماري ـ الصهيوني أو المتصهين خافياً أو مخفياً ولم يكن لدى الإدارات الأمريكية أية أوهام بشأن موقف العرب من قضية فلسطين أو موقفها من العرب وقضية فلسطين، ولذلك خيرت من رغب في الاختيار منهم، منذ البداية بين أن يكون موالياً لها وللمشروع الصهيوني ومقراً بكل مطالبها ومطالبه في المنطقة أو أن يكون عدواً لها وله إما معنا أو ضدنا وليس هناك هوامش أو مواقع أو مواقف أخرى®. تماماً كما خير بوش الابن العالم، والعرب والمسلمين من بين العالم، في حربه على أفغانستان الآن، وعلى بقية الأهداف، ومعظمها عربية ـ إسلامية، ستأتي بعد الانتهاء من أفغانستان. نحن الذين اخترعنا الوهم وضخّمناه وابتلعناه ونشدنا عدلاً أمريكياً، وطالبنا برفع المعايير المزدوجة وبتفعيل قوى أخرى أوروبية أو دولية أو روسية لتكون طرفاً أو لتتدخل بفعالية أكبر في حل الصراع بعد أن ذهبنا في الطريق الأمريكي ـ الصهيوني لحلٍ ما إلى مدى تبين لنا معه أننا ندخل النفق لنُقبر فيه نحن وأحلامنا ومصالحنا وقضيتنا وهويتنا وعقيدتنا ومستقبل أجيالنا. والعجيب الغريب أننا ما زلنا ننساق إلى الدخول في أنفاق جديدة هي فروع من (أو فروع مؤدية إلى) نهايات النفق الأمريكي الصهيوني الأساسي ونصرخ ونحن نوغل في الدخول؟! قبل أسابيع اكتسحنا مد بوش الابن وحلفائه الأوروبيين وبقية تحالفاته الأخرى لكي يضعنا في سياق تحالف ضد الإرهاب، يخوض حرباً طويلة ضده قد تمتد عشر سنوات أو أكثر حتى يتم اجتثاثه من العالم كله فوافقنا على مكافحة الإرهاب، بعد أن أدنا التفجيرات في نيويورك وواشنطن، ونبّ بعضنا واشترط البعض، واتفق الجميع إلا من أخفى ما يخفي عادة عن أخوته وأمته على أن تعريف الإرهاب ضروري لنتبين الطريق والمعايير والتوجهات والأهداف، وأن المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ليست إرهاباً بأي شكل من الأشكال، وأن التفريق ينبغي أن يكون تاماً بين الإسلام والإرهاب. ومغمغ الأمريكيون بعد أن صرحوا بأن حربهم حرب صليبية تستند إلى عدالة مطلقة أو تريد أن تطبق عدالة مطلقة، ثم مالوا إلى «حرية دائمة» في ضرب الآخرين، وقالوا إن الحرب هي على بن لادن وتنظيم القاعدة وطالبان®. فساعِدونا على ذلك، وقال العرب نعم®. ولكن على ألا تمتد الحرب إلى العرب أو على ألا تمتد لبلد غير أفغانستان. وبعد أن بدأ قصف أفغانستان وانطلق الكيان الصهيوني في تصعيد حملة الإبادة ضد الفلسطينيين بوصفهم إرهابيين موازياً حملة بوش على الأفغان ضج العرب مطالبين بوقف شارون وبعدم معاملة الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية واللبنانية بوصفها إرهاباً. وجاء الرد الأمريكي على لسان بوش وكوندوايزا رايس ـ التي تحاول أن تثبت أنها خارج دائرة العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية ـ وكولن باول، جاء الرد صريحاً ويحمل تهديداً يهدم كل ما بُني من آمال بالفهم والتفهم أو من أوهام: لا يوجد إرهاب سيئ وإرهاب جيد ولا نفرق بين إرهاب سيئ وإرهاب أقل سوءاً ، ثم تعالت النبرة وصدرت القوائم لتضع: الانتفاضة وحماس والجهاد وحزب الله أي كل ما يمثل المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني على قوائم الإرهاب، ومطالبة سوريا بأن تكف عن مهنة رعاية الإرهاب ، والطلب إلى الدول العربية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1373 بتجميد الأموال العائدة لهذه التنظيمات بوصفها تنظيمات إرهابية. وقلنا صح النوم يا عرب فهذه الخطوة الأولى على طريق فرعية في النفق المظلم تؤدي إلى هوة سحيقة يلفها الظلام، وهي الخطوة الأولى على طريق النكوص الأمريكي ـ الصهيوني العتيد الذي عودنا على نكث كل العهود. لقد ملأ الأمريكي ـ والصهيوني وحلف الأطلسي معهما، ملأ يده من أطراف دولية أخرى خلال الأسابيع الماضية®. رتب أموراً مع روسيا وأخرى مع الصين والهند، ووضع دول أمريكا اللاتينية في قبضة أمريكا الشمالية، وأخذ يعزف على وتر تحييد الإسلام عزفاً عالياً، وأرسل رئيس أساقفة كنتربري إلى الخليج، وتوني بلير إلى دول عربية، ولوّح بدولة فلسطينية مبهمة تعترف بها الولايات المتحدة وبريطانيا، وبدأ بِنَقْبِ الجدار الخلفي للعمارة العربية في الوقت الذي يحرص فيه على تزيين الواجهة الأمامية؛ حيث قرر وأعلن أن مقاومة العرب لإسرائيل إرهاب وإسرائيل تدافع عن نفسها وتحمي أمنها وليست دولة إرهابية، وعلى العرب أن يجففوا أموال المنظمات الإرهابية، وعلى من يرعى الإرهاب منهم أو من يمارس مهنة رعاية الإرهاب أن يكف عن ذلك ويلتحق بنا وإلا فهو ضدنا وهو من جسم الإرهاب الذي تشن عليه حرب يشارك بها العالم وتدوم سنوات!! وبعد أن تترسخ الخطوات على هذه الطريق وتبدأ عملية «مكافحة الإرهاب العربي» في ظل التأكيد على أن الحرب هي على الإرهاب وليست على الإسلام، ويتحقق عزم صهيوني ـ أمريكي ـ غربي عام في هذا المجال، بعد ذلك تبدأ حرب أعم على من يناصر دولاً ترعى الإرهاب وهنا تأتي مرحلة سحب البساط من تحت أقدام الإسلام ذاته®. ولا سيما حين ترفض دول عربية وإسلامية الحرب على المقاومة بوصفها إرهاباً وعلى دول تدعم المقاومة المشروعة قانونياً وعرفاً دولياً وشريعة سماوية وتدافع عن حقوقها وحقوق الغير في إجلاء المحتل عن أرضها. إن الأمريكي شأنه شأن اليهودي الصهيوني يخوض حرباً يراها عادلة ومقدسة وتكليفاً إلهياً ضد من يختلفون معه في الاعتقاد والعقيدة والرؤية والرأي والمصلحة، وهو في حربه هذه يخدم استراتيجيته تلك وينطلق من ثوابته ويتابع تحقيق مصالحه التي يتداخل فيها المادي المصلحي الربحي الاستغلالي مع العقائدي ـ العنصري ـ المتعالي بغطرسة كريهة. وحين ينافق ونلمس نفاقه ونصرح برأينا ذاك أمامه لا يخجله الأمر ويتابع تكتيكه الذي يراه ذكاء مشروعاً وذرائعية تسوغ وصوله إلى ما يريد وعندما يصبح ما يريد هو الحقيقة. لا تهم البضائع الأخلاقية التي يطرحها في سوق «الغوييم» فتلك بضائع أو ذرائع ما يهمه فقط أن يحقق استراتيجيته بسرعة وبأقل التكاليف ولا إخال إلا أننا في الفخ ذاته أو النفق ذاته الذي دخلناه أو أُدخلنا فيه منذ عقود. لذلك فإنني لم أفاجأ عندما ندت من عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية كلمة تشبه الصرخة في دمشق بعد انتهاء أعمال لجنة المتابعة المنبثقة عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب لدعم الانتفاضة، لم أفاجأ حين قال: نخشى من عملية نصب وأنا أقول إنها عملية نصب كبيرة وقد تعرضنا لها كثيراً في الماضي وها قد دخلنا جحيمها الآن وأقرب استقراء يمكن أن نقوم به لنتبيّن فصلاً قذراً من فصولها هو قراءة متبصرة لما وقع منذ انعقاد مؤتمر مدريد حتى اليوم وللدور الأمريكي المنحاز كلياً أو المتواطئ كلياً أو المتداخل عضوياً مع الاحتلال والعدوان الصهيونيين على الأمة العربية ابتداء من فلسطين وسوريا ولبنان وانتهاء بالعراق. وفي خضم الأحداث التي تفوح منها رائحة التآمر والنصب كما تتفجر منها ينابيع الدم وتتراكم أكوام الدمار سواء في أفغانستان المسلمة أم في فلسطين العربية ـ المسلمة يتفجر على شفاهنا وفي أنفاق وجداننا سؤال: هل من سبيل إلى موقف عربي ـ إسلامي واضح متماسك جريء صريح قوي يلقي القفاز بوجه النصّاب العنصري راعي الإرهاب الأكبر في العالم الكيان الصهيوني ويقول: 1 ـ لسنا إرهابيين، نحن ضحايا إرهابكم واستعماركم وعنصريتكم البغيضة واستغلالكم المستمر لنا منذ عقود، بل منذ قرون. 2ـ لسنا أغبياء ولا جبناء ولا متهالكين على شهادات حسن سلوك ممن لا خير في سلوكهم، وصناعة الشر وتصديره ديدنهم. 3ـ لسنا متهالكين على حياة الذل، ولم يعلمنا ديننا الذل، ولا علمتنا ثقافتنا الذل أو العدوان، بل علمنا كل ذلك الكرامة في إطار التسامح والسلام فأصبح حبنا للسلام والتسامح عبئاً على كرامتنا التي تتعرض للانتهاك. 4ـ لسنا بشراً من درجة أدنى من أي بشر ولا نعترف بقيمة «لحضارة» تقوم على إبادة البشر وتسخير العلم للتدمير بل نحن أبناء حضارة التقدم التي تستند إلى منظومات قيم رفيعة واحترام للإنسان وتكليف شرعي باحترام الإنسان وإحياء النفس البشرية بكل ما يعنيه الإحياء من معان مادية ومعنوية. 5ـ لا نقبل أن نكون بضائع من أي نوع وضحايا بذرائع من أي نوع لعنصرية بغيضة، ونفوس متورمة مريضة، ومصالح جشعة ترفع المادة فوق الروح، والصهيوني فوق الجميع. إننا مع حضارة على معيار خلقي وقيمي وإنساني تضع طاقة العلم والخلق في خدمة الحياة والقيم السليمة ولا تسخرها لتدمير الحياة والحضارة، والتقدم العلمي ملك لكل الناس. وفي كل العصور لعبت الأقوام المختلفة على الأرض دوراً في بناء الحضارة والتقدم البشري. والتقدم التقني مع الخواء الروحي وانعدام المعيار القيمي والارتماء في مرض العنصرية والغطرسة والتورم التفوقي ليست أكثر من شرور وأخطار مدمرة تحيق بالحضارة والبشرية معاً، وهي وما تملكه من أسلحة وأدوات تقدم تقني تشكل قوة التدمير الشامل للحياة والحضارة في أرض البشر. 6ـ إننا نرفض أن نكون مخالب لكم في جسدنا أو جسد الغير، ونرفض أن نكون عبئاً على ديننا وأبناء شعبنا وأخوتنا في الإنسانية والإسلام. ونرفض أن تسخروا منا وأن تستهينوا بنا، وأن نبقى قيد التهديد والوعيد. نرفض أن نخضع لكم ونلغي عقولنا وحقوقنا ووجودنا، ونرفض أن نموت أذلاء، وإذا كان لا بد من أن تعادونا وتقاتلونا فالأفضل أن نراكم وجهاً لوجه من أن تدلقوا علينا الموت والشر من الفضاء. إن حقنا المشروع في مقاومة العدوان والاحتلال والعنصرية والاستعمار وكل أشكال الاستعلاء والاستغلال ليس إرهاباً، ولن نسلم بفرض مفاهيمكم وتفسيركم للأمور علينا ونحب أن تعلموا أن الحقيقة التي تفرضها قوة، حسب مبدئكم، تنقضها قوة، أما الحقيقة التي يفرضها منطق وتسندها قيم وقوانين وعدالة وشعوب وشرائع سماوية فإنها تصمد للقوة أياً كانت. سوف ندعم الانتفاضة ونقاوم الاحتلال الصهيوني ونحرر فلسطين ونستعيد القدس عاصمة عربية ـ إسلامية، وسوف نتمسك بحقنا المشروع في الحياة والكرامة ولن نستسلم أبداً للمبدأ الشرير الذي يتقنع بقناع خيّر، فالأفعال دلائل النفوس والأقوال قد تكون مخادعة. لقد عودتمونا على الغدر والخداع، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ولن نكون ضحايا مشروع نصب جديد. ـ رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب