رغم الجهود الدبلوماسية والاعلامية والفكرية التي تبذلها أمريكا وأوروبا لنفي صفة الحرب الصليبية عن الحرب ضد أفغانستان، تحسبا لما قد يتوالى في أعقابها من عمليات عسكرية ضد العراق وغيرها من الدول ومنظمات المقاومة العربية والاسلامية بدعوى استئصال ظاهرة الارهاب، ورغم مبادرة البعض من مفكرينا، وكتابنا الى تفسير آخر يرى أن الصراع لا علاقة له بالدين، وإنما بين مصالح الدول المتقدمة على حساب الدول المتخلفة على نحو ما حدث في فيتنام وكمبوديا وكوريا والعديد من الدول الافريقية، إلا أن هذا النفي أو ذاك التفسير لم يجد أيهما في اقناع الشعوب العربية والاسلامية. فمنذ قرنين من الزمان وهي تعاني ويلات الغزو والاستعمار الأوروبي، ودأبه على تقسيم وحدتها واستلابها كغنائم، وافقارها وتخلفها واستنزافها سياسيا واقتصاديا وبشريا في حروب أهلية وعرقية حتى لا تقوم لها قائمة وتنهض للحاق بركب العصر. ومما لاشك فيه أن العرب والمسلمين لا مصلحة لهم ولا رغبة في خوض حرب دينية في مواجهة أمريكا وأوروبا كما وأن العكس في المقابل صحيح ما في ذلك شك، والمشكلة أن الرئيس بوش مسئول تحديدا عن هذا الالتباس، لا أعني زلة لسان فحسب حين وصف ما جرى لأمريكا يوم الثلاثاء الأسود بالحرب الصليبية، وإنما لأنه أعلن الحرب فورا في المقابل ضد مشتبه فيهم من العرب والمسلمين من دون توافر دليل ثابت، وقبل الشروع حتى في استجواب المشتبه فيهم، رغم أن هذا الاسلوب المجافي للقانون والعدالة، كان موضع عناية وعزم الرئيس كلينتون على تغييره وتصويبه نهاية ولايته، في ضوء تراكم اخطاء سلطات التحقيق الفيدرالية في كثير من القضايا ذات الصلة بالعرب والمسلمين تحديدا، وبينها توجيه ضربات عسكرية ضد طرابلس وبنغازي بدعوى الاشتباه في ضلوع ليبيا في تفجير منتدى ليلي في برلين عام 1986، ثم ثبت فيما بعد براءة ليبيا من ارتكاب الحادث، على غرار اعتداء أمريكا عن قصف مصنع الشفاء للأدوية في السودان، بعد ثبوت براءته من انتاج مواد كيميائية حربية محرمة دوليا وليس حادث أوكلاهوما ببعيد! واذا كان لأمريكا العذر كما تدعي في اتهام ابن لادن وتنظيم القاعدة بارتكاب تفجيرات واشنطن ونيويورك، خاصة بعد توعده لها عبر قناة الجزيرة بالمزيد من الاضرار البشرية والاقتصادية والأمنية، فكيف يفسر العرب والمسلمون ما لحق بهم في أمريكا وأوروبا دون غيرهم من مظاهر الجور والكراهية والملاحقات الأمنية والى حد الاغتيال وتدمير مساجدهم ومصادرة العديد من منظماتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، واذا كانت أمريكا التي تعتبر نفسها في حالة حرب، وراحت تعتمد سلسلة اجراءات استثنائية للحد من حرية الصحافة والاعلام في نشر الحقائق حولها بصفة خاصة، وتقليص مساحة الحريات المدنية بشكل عام، فلماذا إذن يترك الحبل على الغارب لأبواقها المفضوحة ومن والاها في أوروبا لتعبئة الرأي العام ضد العرب والمسلمين، وشن حملات الهجوم الضاري ضد مصر والسعودية، والمن على البلدين بأسباب الرعاية الأمنية والمساعدات الاقتصادية وبالرفاهية النفطية، وفاقم من فداحة النهج والممارسات المعادية، حين توالت الضربات العسكرية بلا هوادة التنكل وابادة ونزوح الشعب المسلم في أفغانستان بدعوى مطاردة فرد واحد اسمه ابن لادن، بينما عرضت حكومة طالبان تسليمه تمهيدا لمحاكمته أمام قضاء عادل ومحايد بمجرد اعلان أمريكا دليلا ثبوتيا يؤكد مسئوليته عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهكذا في الوقت الذي امتنعت وسائل الاعلام الأمريكية عن نشر صور فظائع الموت والدمار في أفغانستان، وأباحت لشارون وبيريز ونتانياهو الانفراد بشاشاتها الفضائية، ورفضت ولا تزال اتاحة الفرصة المتكافئة لياسر عرفات، كان الفلسطينيون يقتلون وتسفك دماؤهم وتدمر بيوتهم وتجرف مزارعهم تحت سمع وبصر أمريكا وأوروبا دون أن تحرك ساكنا، والأدهى والأمر أن ينبري ديفيد ساترفيد مساعد وزير الخارجية الأمريكي الى اتهام انتفاضة الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الاسرائيلي بالارهاب، فلا نلوم إذن هؤلاء الذين وقر في ضميرهم من العرب والمسلمين أنهم مستهدفون بالحرب الصليبية، ولا إضفاءهم المصداقية في المقابل على ما يروج له ابن لادن بهذا الخصوص، وتحذير الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من أن التلويح الأمريكي البريطاني بالدولة الفلسطينية لا يندرج إلا تحت عنوان النصب السياسي. ولعله من هنا السؤال: ما الذي تخشاه واشنطن ولندن من اثبات العكس؟ وهل يجرؤ حكام العرب والمسلمين على اختبار نوايا أمريكا وبريطانيا عبر الزامهما بجدول زمني يفضي الى حل المشكلة الفلسطينية واعلان دولتها المستقلة؟. ـ كاتب مصري