حتى قبل نحو شهر كان عدد المبادرات الخارجية المطروحة لاحلال الوفاق في السودان ثلاثا: مشروع «ايجاد»، ومشروع المبادرة المصرية الليبية المشتركة بالاضافة الى مبادرة امريكية لاتزال في طور التبلور. ورغم ان أيا من هذه المحاولات لم تفرز نتيجة ايجابية، فهل من المعقول تعليق اي آمال على مبادرة رابعة؟ هذه المبادرة الرابعة تأتي من نيجيريا وما يمكن ان يقال على الفور هو انها تختلف عن سابقاتها من حيث الترتيب الاجرائي. وهو اختلاف من الاهمية بحيث يمكن ان يقال انه يوفر لهذه المبادرة بعدا ثالثا كفيلاً بأن يضعها على طريق نجاح، اذا افترضنا ان كل القوى السياسية السودانية، جنوبية وشمالية، سوف تلبي الدعوة الصادرة عن الرئيس النيجيري اوباسانجو. فما هي أوجه هذا الاختلاف؟ القاسم المشترك الاجرائي بين المبادرات الثلاث القائمة «بما في ذلك المبادرة الامريكية الناشئة» هو مشاركة النظام الحاكم في السودان كأحد الاطراف السودانية المتخاصمة. لكن الترتيب المقترح بموجب المبادرة النيجيرية يستبعد التمثيل الحكومي تماما. فالاطراف السودانية المدعوة للاشتراك هي فقط الاحزاب السياسية، شماليها وجنوبيها. وبينما تنحصر العملية التفاوضية في اطار مبادرة «ايجاد» على الحكومة السودانية وطرف جنوبي واحد هو «الحركة الشعبية لتحرير السودان» «تنظيم جون قرنق» مع استبعاد الاحزاب الشمالية، فإن المبادرة النيجيرية تجمع كما ذكرنا الاحزاب الجنوبية كلها بالاضافة الى الاحزاب الشمالية. وثمة فارق آخر فالمبادرة المصرية الليبية المشتركة تجعل تمثيل المعارضة السودانية جماعيا، لا كأحزاب منفردة، بحيث يكون عدد الاطراف السودانية المشاركة ثلاثة: الحكومة و«التجمع» المعارض الذي يتكون اساسا من «الحزب الاتحادي الديمقراطي» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» بالاضافة الى «حزب الامة» الذي انسلخ عن «التجمع» فأصبح كيانا معارضا مستقلا بذاته، ويبدو ان الرئيس النيجيري فطن الى ان «التجمع» لم يعد له وجود فاعل عمليا بعد خروج «حزب الامة» علنا و«الحزب الاتحادي الديمقراطي» ضمنا. ومن هنا كانت الدعوة النيجيرية الى الاحزاب جميعها كتنظيمات انفرادية. ولكن ما الجديد الذي يمكن ان تقدمه المبادرة النيجيرية؟ أولا، لا نعلم على وجه الدقة متى يعقد «مؤتمر الوفاق الوطني السوداني» الذي دعت اليه الحكومة النيجيرية ليجتمع في العاصمة ابوجا. فالموعد الذي حدد بمنتصف نوفمبر الجاري اجل الى اجل غير مسمى. لكن توجيه الدعوة النيجيرية الى الاحزاب السودانية قاطبة ودون استثناء، بما في ذلك حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم وحزب «المؤتمر الشعبي» المنشق عنه بقيادة د. الترابي وبما في ذلك كافة القوى الجنوبية، ابتكار جديد تماما يجعل المبادرة النيجيرية متميزة على غيرها. ثم ان هناك ميزة اضافية.. فالحكومة النيجيرية بامتناعها عن تقديم اعلان مباديء قد يثير جدلا بين الفرقاء السودانيين، انما تضع لنفسها حدودا كوسيط حيادي غير قابل للاتهام بالتحيز الى هذا الطرف أو ذاك. ولنستذكر مثلا ان احد اقوى الاسباب التي قعدت بالمبادرة المصرية الليبية عن الانطلاق ودفعت بها الى حافة الفشل، اشتراط اصحابها مسبقا بأن اي حل لمشكلة جنوب السودان يجب ان يكون في اطار الوحدة.. وبذلك استبعدوا مقدما مبدأ تقرير المصير للشعب الجنوبي، مما جعل القوى السياسية الجنوبية كلها تنفر من المبادرة. والمبادرة النيجيرية تحمل ايضا جديدا اجرائيا من نوع آخر، فالترتيب المقترح ينطوي على ثلاثة اجتماعات: اجتماع منفصل يقتصر على الاحزاب الشمالية، واجتماع منفصل آخر للاحزاب الجنوبية وحدها.. ثم بعد ذلك اجتماع عام لكل الاحزاب ينحصر فيه التداول على ما خرج به كل من الاجتماعين الاولين من تصور موحد.وهكذا بناء على هذا الترتيب تطرح القضية السودانية في اطارها المحدد الصحيح كمشكلة اساسية بين الشمال والجنوب.