الدعوة التي وجهها الرئيس الامريكي جورج بوش يوم الجمعة الماضي الى الامريكيين حتى يفتحوا عيونهم وآذانهم للمساهمة في منع اي هجمات مقبلة على الولايات المتحدة لم تكن سوى دعوة جديدة لبث مزيد من الخوف في نفوس الامريكيين، فمنذ احداث الحادي عشر من سبتبمر الماضي والامريكيون يعيشون حالة رعب وخوف دائمة سببها الرئيسي يعود الى التحذيرات التي يطلقها المسئولون الامريكيون لاسيما المدعي العام جون اشكروفت، والاجراءات المشددة التي اصبح الامريكيون يواجهونها في كل شيء حتى ان الطائرات المدنية اصبحت تصاحبها مقاتلات امريكية في رحلاتها بحجة حمايتها مما ادى الى احجام اكثر من ثلاثين في المئة من الامريكيين عن ركوب الطائرات حتى ان بعض الرحلات تقلع وعليها راكب واحد او راكبان احيانا وقد ادى هذا حتى الآن الى ان تعلن اكثر من مئة واربعين شركة طيران من بين ثمانية آلاف شركة طيران في العالم عن افلاسها بينها شركات عالمية كبرى مثل سويس اير وسابينا واخيرا كندا الفين، كما ان تسعة ملايين شخص ممن يعملون في مجال السياحة قد يفقدون وظائفهم، وفي الولايات المتحدة وحدها فقد نصف مليون امريكي وظائفهم في شهر اكتوبر وحده والعدد كل يوم في زيادة، اما الاجراءات الاخيرة التي اعلنتها الولايات المتحدة بخصوص التشديد في اجراءات التأشيرات لا سيما على الدول العربية والاسلامية والتي اصبحت تشترط وضع المتقدم للتأشيرة في امتحان عصيب ثم ارسال الامتحان الى الاف بي اي لفحص سجل الشخص والموافقة على منحه التأشيرة من عدمه فانه سيجعل الكثيرين من العرب والمسلمين ممن يدرسون في الولايات المتحدة او من اصحاب المصالح معها في وضع حرج للغاية، وقد اعلن بالفعل اكاديميون باكستانيون رغم ماتقدمه حكومة الرئيس مشرف لامريكا بأن طلابهم الذين كانوا متوجهين للدراسة في الولايات المتحدة لم يحصلوا على تأشيراتهم حتى الآن مما يضع مستقبلهم العلمي في خطر، والخطورة الاكبر الآن ان امريكا الدولة القائمة على التنوع العرقي والاستفادة من خبرات العلماء في انحاء العالم ارتفعت بها دعوات تطالب بعدم السماح للعلماء من غير الأمريكيين بدخول المعامل واجراء ابحاث بها مما يهدد مستوى التقدم العلمي في البلاد الذي يقوم غير الأمريكيين بجهد كبير فيه، كما ان اجراءات الدخول على المنافذ الثلاثمئة في الولايات المتحدة اصبحت اكثر تعقيدا مما يضر بالتجارة لاسيما مع الدول المجاورة مثل كندا التي تقوم كثير من الصناعات الامريكية على تعاون معها، فالاجراءات المعقدة على الحدود الكندية الامريكية دفعت بعض الشركات الامريكية مثل شركة فورد للسيارات الى الاعلان في الاسبوع الماضي عن اغلاق خمسة من مصانعها لتجميع السيارات، وكل مصنع من هذا المصانع كان ينتج ما قيمته اربعة وعشرون مليون دولار يوميا، ولنا ان نتخيل ذلك في مجالات كثيرة حيث ان الاجراءات التي كانت تستغرق ساعة واحدة اصبحت الآن تستغرق بين خمس عشرة الى عشرين ساعة، اما ركاب المطارات فقد اصبحوا يقفون بين ثلاث ساعات واكثر اما ضباط الهجرة بعدما كانت اطول فترة من قبل خمس واربعون دقيقة ولنا ان نتخيل ان الولايات المتحدة يدخلها سنويا اكثر من خمسمئة مليون شخص معظمهم من الدول التسع والعشرين التي لا يحتاج رعاياها لتأشيرات دخول فيم تمنح الولايات المتحدة سنويا سبعة ملايين تأشيرة جديدة، الآن اصبح كل هؤلاء يواجهون اجراءات معقدة سوف تحول الولايات المتحدة دون شك خلال فترة وجيزة الى دولة مغلقة. اما التكاليف المالية لفاتورة الخوف فانها حتى الآن تجاوزت المئة مليار دولار ويتوقع حسب تقرير نشرته «لوس انجلوس تايمز» في العاشر من اكتوبر الماضي ان تصل مع نهاية العام 2002 الى اربعمئة مليار دولار، واصبحت حتى المدن الصغيرة تساهم في دفع هذه الفاتورة فولاية كاليفورنيا تتكلف ميزانيتها يوميا مليون دولار كنفقات دفاعية وسوف تصل في نهاية العام كما يقول المراقبون الى حوالي نصف مليار دولار، اما ولاية اتلانتا فقد انفقت على العمل الاضافي للشرطة بها منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر اكثر من خمسة عشر مليون دولار، اما الجمرة الخبيثة فقد دفعت الكونجرس الى السعي لاصدار قانون يقضي بصرف مبلغ ثمانية مليارات دولار توجه لمواجهة الهجمات الارهابية البيولوجية حيث اعلنت السلطات ان رسائل الجمرة الخبيثة هي صناعة امريكية اي انهم امام موجة ارهاب داخلي ايضا. هذه الصورة تؤكد كما قال احد رجال الشرطة الامريكيين على ان الاعباء صارت فادحة دون ان يكون هناك ضوء في نهاية النفق، ان فاتورة الخوف مازالت في بدايتها وسوف تدفع امريكا الكثير، طالما انها اختارت هذا الطريق .. طريق الخوف. ـ كاتب واعلامي مصري