ليس أدل على خطورة الأوضاع التي تمر بها المنطقة العربية في ظل تصاعد العدوان الاسرائيلي الهمجي على الشعب الفلسطيني من تصريحين هامين صدرا الأسبوع الماضي، الأول جاء من عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، والثاني جاء من الرئيس المصري حسني مبارك. تصريح عمرو موسى جاء في صورة تحذير حاد وحاسم من أن تكون المبادرات السياسية التي تعرضها أمريكا ودول أوروبية عن الدولة الفلسطينية بمثابة عملية نصب سياسي لضمان حياد الدول العربية أو تأييدها للحرب ضد ما يسمى بالارهاب. وأكد موسى ما نقلناه عنه في الأسبوع الماضي من أن ما يجري من اجتماعات وزيارات ودوران في حلقة مفرغة، ولقاءات تصلح للأفلام التلفزيونية لا تصنع شيئا،وانما المطلوب اجراءات عاجلة وحاسمة تتعامل مع القضايا الأساسية للوصول الى الحلول النهائية. وخطورة حديث موسى أنه يجئ في أعقاب زيارته لأمريكا ولقائه بوزير الخارجية الأمريكي وقيادات الكونجرس والادارة الأمريكية، أي أنها تعكس مخاوف حقيقية لرجل خبر دهاليز السياسة الأمريكية سنوات طويلة،ولابد أن ما تلقاه من اشارات في العاصمة الأمريكية زاد من مخاوفه حول حقيقة المبادرات الأمريكية الموعودة، وأكد الظنون بأن هدفها هو كسب الوقت والعودة للطريق الذي بدأ منذ أوسلو، طريق المفاوضات التي لا تنتهي بينما الاستيطان يلتهم الأرض والتهويد يسطو على القدس. مراجعة السياسات والمواقف أما تصريح مبارك فكان تحذيراً له مغزاه من مسار الأحداث في ظل ممارسات حكومة مجرمي الحرب في اسرائيل بقيادة السفاح شارون، حين تساءل مبارك عن مدى أحقية الرأي العام العربي والاسلامي في انتقاد الموقف العربي الرسمي الذي اعتبر السلام مع اسرائيل هدفا استراتيجيا، بينما اسرائيل مستمرة في تعنتها وممارساتها التي لايمكن وصفها الا بأنها عمل من أعمال الحرب؟! وخطورة تساؤل الرئيس مبارك أنه يجئ في قلب أوروبا ومن منبر فور منتور الذي ضم دول اوروبا ودول البحر المتوسط بحثا عن شراكة تقوم على التعاون والتنمية والاستقرار، كما أنه يجئ في حضور الرئيس الفلسطيني عرفات والثعلب الاسرائيلي العجوز شيمون بيريز شريك شارون في الوزارة والمجازر وان كان يرتدي ثوب الاعتدال ويحاول من خلاله تبرير جرائم اسرائيل. تصريح عمرو موسى يحذر الحكومات العربية من احتيال سياسي تمارسه أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون. وتصريح الرئيس المصري يحذر هذه الدول من غضبة الرأي العام العربي والاسلامي ليس فقط من ممارسات اسرائيل، وانما أيضا من حكومات أمريكا والغرب التي تدعم هذه الممارسات، ثم من الحكومات العربية نفسها التي صدقت الوعود الأمريكية والأوروبية بسلام عادل يعيد الأرض ويرد الحقوق ويجعل قرارات الشرعية الدولية أمرا واقعا. ولقد كنا - ومازلنا - نأمل أن تكون أحداث 11 سبتمبر بكل مأساويتها فرصة لكي يراجع العالم كله وأمريكا في المقدمة السياسات والمواقف التي أدت الى هذه الأحداث، وأن تدرك أمريكا بالذات كيف قادت سياساتها الخاطئة الى موجة كراهية ليس من العرب وحدهم، ولا المسلمين فقط، وانما من العالم كله حيث رأى دولة تمارس زعامتها للعالم باحساس طاغ بالقوة وبرغبة عارمة في فرض ارادتها، وباصرار على أن مصلحتها فوق مصالح الجميع، وبلا احساس بالمسئولية الأخلاقية التي ينبغي أن تتحلى بها أي قوة تريد أن تمسك بزمام قيادة العالم. وبدون هذه المسئولية الاخلاقية تصبح القوة عبئا على أمريكا وعلى العالم، ويصبح هدف القوة الأعظم هو المزيد من القوة والثروة ولو على حساب الآخرين، بدلا من أن يكون الهدف هو المزيد من العدل للمحرومين، والمزيد من الحرية لمن يتعرضون للقمع، والمزيد من الانسانية التي تحمي العالم وتعزز كرامة الانسان. واذا كانت بارقة أمل قد لاحت - بالنسبة للعرب - في اعلان الرئيس بوش عن الدولة الفلسطينية رغم عموميته، فان الأحداث بعد ذلك قد أحيت الشكوك في موقف الادارة الأمريكية ومعها بالطبع التابع البريطاني الأمين. ففي الوقت الذي كانت السلطة الفلسطينية تقدم كل التنازلات المطلوبة رغم المعارضة الشعبية لها فيعلن عرفات وقف اطلاق النار من جانب واحد، ويبدأ في اعتقال المناضلين في أعضاء منظمات المقاومة، ويعلن انضمامه للتحالف ضد الارهاب، ويقف أمام كاميرات التلفزيون يتبرع بدمائه لضحايا أحداث 11 سبتمبر، ويرحب بتصريحات الرئيس بوش وتابعه البريطاني بلير، ثم يجلس في انتظار المبادرة الموعودة التي تجسد هذه التصريحات وتحيلها الى قرارات دولية ملزمة. في هذا الوقت، كان شارون يرد بوقاحة على الرئيس الأمريكي، ويعلن انه اذا كانت أمريكا تريد استرضاء العرب من أجل بناء التحالف ضد الارهاب، فان اسرائيل لن تدفع ثمن ذلك. ولم تكن المفاجأة في موقف شارون ولا في وقاحته في التعبير عن هذا الموقف، ولا في تصعيده للحرب ضد الفلسطينيين واعادة احتلال الأرض الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، ولا حتى في الرفض المتغطرس لكل طلبات واشنطن الخجولة بانسحاب اسرائيلي من أرض السلطة الفلسطينية وانما كانت المفاجأة في الرضوخ الكامل من جانب واشنطن لمطالب اسرائيل، والتبني الكامل لسياسات حكومة مجرمي الحرب في تل أبيب، واطلاق العنان للوبي الصهيوني داخل الادارة الأمريكية أو خارجها لكي يعكس مرة أخرى توحد المواقف الاسرائيلية الأمريكية على حساب العرب وحقوقهم المهدرة. التردد والتسويف وهكذا بدأت الوعود الأمريكية للعرب تتحول الى ما وصفه عمرو موسى الاحتيال السياسي ووسط محاولات محمومة من صحافة تسيطر عليها الصهيونية لنشر التعصب والكراهية ضد العرب، بدأت سياسات الليكود الاسرائيلي تؤكد نفسها في واشنطن في وجه كل محاولات المعتدلين وبدأ بيع سياسة شارون للرأي العام الأمريكي وفرضها على صناع القرار في واشنطن باعتبارها وجه الحقيقة التي يقدمها من يعرف المنطقة أكثر ويتعامل مع العرب على الأرض، ورغم الرفض الرسمي في العلن للكثير من هذه السياسات الشارونية، فانها كانت تجد طريقها في النهاية لتتبناها الادارة الأمريكية واقعيا، بمعنى أنه لا بأس من بضع كلمات ترضى العرب حتى نضمن وجودهم داخل التحالف في هذه الظروف الدقيقة، أما ما يحدث بالفعل فهو التأييد المطلق لاسرائيل والرضوخ الكامل لمطالب شارون والتسويف في اتخاذ أي خطوة حقيقية ترغم اسرائيل على تعديل مواقفها أو تترجم الاعلان عن ضرورة الحل العادل للقضية الفلسطينية الى واقع على الأرض. كان شارون وحكومة مجرمي الحرب في اسرائيل يصرون على محاولة وصف ما يقومون به من عدوان بشع على الشعب الفلسطيني بأنه مقاومة للارهاب وأنه نفس ما تقوم به الولايات المتحدة في أفغانستان، وأنه لا فرق بين عرفات وبن لادن ولا فرق بين طالبان وبين السلطة الفلسطينية ولافرق بين ما حدث في أمريكا في 11 سبتمبر وبين العمليات التي تقوم بها المنظمات الفلسطينية حماس والجهاد والجبهة الشعبية وما سبقهم اليه حزب الله في لبنان ولذلك فالتحالف الحقيقي - كما يقول شارون - هو التحالف القائم أصلا بين أمريكا واسرائيل، والذي ينبغي أن يتعزز ويتأكد في مواجهة الارهاب! ورغم الاعتراضات التي اضطرت الادارة الأمريكية الى اعلانها على هذه السياسة الشارونية، فان الحقيقة كانت أن الاعتراضات لم تكن على جوهر هذه السياسات، وانما على الوضوح الذي يمارس به شارون سياساته، وتوقيت اعلانها، والممارسات التي تصاحبها والتى تسبب الاحراج للادارة الأمريكية التي تحتاج للدول العربية والاسلامية داخل التحالف لتغطية عملياتها في افغانستان، وتحتاج لبقاء اسرائيل خارج التحالف صوريا بينما هي في قلب التحالف وبين قواعده الأساسية في الواقع. ومع ذلك، ورغم الخلافات التي تم اعلانها بين شارون والرئيس الأمريكي، فقد انتهى الأمر - حتى الآن - وفق ما تريد حكومة شارون. صحيح أن الوعد بموقف أمريكي ايجابي من القضية الفلسطينية مازال موجودا ولكن كل الجهود العربية والدولية فشلت في انتزاع مبادرة جديدة لها قيمة، وأي تحرك أمريكي في هذا الاتجاه محكوم بموافقة اسرائيل المسبقة وفقا لاتفاق البلدين! ارضاء اسرائيل وصحيح أن الادارة الأمريكية تفضل هدوء الموقف في فلسطين ومضطرة لمطالبة اسرائيل بالانسحاب من أراضي المنطقة «أ» الخاضعة للسلطة الفلسطينية والتي أعادت احتلالها، ولكنها ترضى بأن تبقي هذه المطالب على الورق،وأن تفعل اسرائيل ما تريد، وتبرر لها جرائهما بأنها دفاع عن النفس، وتمنع مجلس الأمن من اتخاذ موقف ضد اسرائيل، ورغم خطورة الموقف فانها تهدد باستخدام الفيتو لمنع اصدار أي قرار ملزم لاسرائيل أو ادانة حقيقية لها! وصحيح أن الادارة الأمريكية أعلنت عدم موافقتها على تشبيه عرفات بابن لادن ولكنها لم تتوقف حتى الآن عن مطالبة الرئيس الفلسطيني بالتصدي لمنظمات المقاومة وايقاف عملياتها والقبض على الناشطين فيها ورفضت واشنطن باصرار أن يستقبل البيت الأبيض عرفات رغم كل الضغوط التي مارستها الدول العربية وخاصة مصر والسعودية اللتان تتعرضان لحملة عدائية هائلة في الاعلام الامريكي بسبب مواقفهما الناقدة للسياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. وصحيح أن الادارة الأمريكية رفضت أن تساوي بين السلطة الفلسطينية وبين حركة طالبان كما أراد شارون وحكومته ولكنها في النهاية خضعت للابتزاز الصهيوني ووضعت أسماء حزب الله اللبناني ومنظمات المقاومة الفلسطينية حماس والجهاد والجبهة الشعبية وغيرهما ضمن قائمة المنظمات الارهابية التي طلبت أمريكا وبريطانيا تجميد أموالها في المصارف كخطوة أولى في العمل على حصارها وتصفيتها! وهو طلب أصر عليه شيمون بيريز المعتدل!! عند زيارته لواشنطن، أواخر الشهر الماضي.ومع ذلك، فمازال الكثيرون يتحدثون عن المبادرة الأمريكية الموعودة، ومازال ياسر عرفات ينتظر الدعوة التي تأتي لدخول البيت الأبيض، ومازال السفاح شارون تصوروا، يرفض لقاء عرفات الذي يكتفي بتبادل المصافحة والابتسامات أمام عدسات التلفزيون مع سفاح أقل شأنا مثل بيريز، بينما المذابح مستمرة على الأرض الفلسطينية، والطائرات والدبابات الأمريكية هي التي تقوم بالمذبحة بعد أن وافقت واشنطن على التصريح لاسرائيل باستخدامها في حرب الابادة القذرة ضد الشعب الفلسطيني باعتبار ذلك من أعمال الدفاع المشروع عن النفس. ونعود الى البداية الى تحذير عمرو موسى من أن يتحول الحديث عن مبادرة سياسية أمريكية أوروبية الى مجرد نصب سياسي، والى حديث الرئيس المصري مبارك عن العرب الذين أعلنوا السلام خيارا استراتيجيا وهم يواجهون ما اعتبره أعمال حرب من اسرائيل ثم نسأل: ماذا بعد التحذيرات وبعد أن ظهرت النوايا وتحدد الطريق ؟ أن الرأي العام العربي والاسلامي ينتظر الاجابة، ويتوجس من أن ينتهي الأمر بعدوان جديد على العرب، يأتي هذه المرة تحت راية الحرب ضد الارهاب، وربما يمتد الى المنظمات الفلسطينية واللبنانية التي وصفتها أمريكا وبريطانيا ضمن المنظمات الارهابية، والى الدول العربية المتهمة برعاية هذه المنظمات وفي مقدمتها الشقيقة سوريا. الارهاب والكفاح المشروع وللمرة الألف نقول: لن يمنع هذا التردي الا موقف جديد وحاسم، كل الظروف مهيأة له وكل الشعوب العربية والاسلامية تنتظره، موقف يتجاوز منطقة رد الفعل ولا يشعر بالذنب أو المسئولية عن مأساة الارهاب لأن أمريكا بالذات هي أبرز صانعيه وهي - قبل غيرها - التي تتحمل المسئولية عنه وعن آثاره التي يدفع ثمنها العرب منذ عشرات السنين. فليعلن العرب - وعلى أعلى مستوى ممكن - رفضهم القاطع لاعتبار الانتفاضة ارهابا أو اعتبار منظمات المقاومة هدفا للتحالف ضد الارهاب انها تمارس حقها المشروع في الكفاح ضد الارهاب الحقيقي الأهم في هذا العصر، وهو ارهاب دولة تحكمها العصابات النازية لابد أن يتم تصفية احتلالها للأرض العربية وتجريدها من كل الأسلحة المحرمة وغير التقليدية التي تهدد أمن المنطقة. وليعلن العرب- وعلى أعلى مستوى - الآن قبل غد ان التحالف ضد الارهاب يفقد معناه اذا كانت الدولة التي تقوده وتقود العالم لا تعرف الفرق بين ارهاب صنعته بأيديها وانقلب عليها في أفغانستان، وبين كفاح مشروع ضد ارهاب آخر تتواطأ معه ضد الشعب الفلسطيني وضد الحقوق العربية.وليعلن العرب- وعلى أعلى مستوى - الآن قبل الغد، انهم لن يقبلوا هذا الاحتيال السياسي الذي يمارس معهم، وأنه بدون قرار ملزم وعاجل من الشرعية الدولية يجبر اسرائيل على انهاء احتلالها للأرض العربية المحتلة من 67 ويقيم دولة فلسطينية بعاصمتها في القدس العربية، ويبني سلاما عادلا حقيقيا في المنطقة، بدون ذلك فان الحرب التي تقودها أمريكا تتحول بالفعل الى حرب ضد العرب والمسلمين، وتتحول أمريكا الى دولة تلهي العالم بحرب ضد ارهاب صغير صنعته بنفسها، بينما تحمي الارهاب الأعظم الذي تمارسه اسرائيل بحقارة فاقت فيها النازية.وليعلن العرب- وعلى أعلى مستوى - والآن قبل الغد، انه في هذه الحالة فان على أمريكا أن تحارب معركتها وحدها وتتحمل المسئولية، وعلى العرب والمسلمين أن يحاربوا معركتهم العادلة ضد الارهاب بكل أنواعه، ارهاب الصهيونية العنصرية واحتلالها للأرض العربية، وارهاب الذين صنعتهم أمريكا وجعلت منهم مجاهدين حين احتاجتهم وارهابيين صغار حين اطلقتهم على الدول العربية والاسلامية يعيثون فيها فسادا، وتستخدمهم الآن لتقدمهم للعالم باعتبارهم ممثلين للاسلام الذي تحاربه ثم ارهاب الذين يصرون على الاحتيال السياسي على العرب والتعامل معهم باعتبارهم الهنود الحمر الحدد الذين يفرحون بالوعود ثم يستسلمون للأمر الواقع الذي يتم فرضه عليهم بالقوة. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم »المصرية