هل نحن مفطورون على اتخاذ مواقف عدائية أو غير ايجابية من مؤسساتنا العلاجية والتعليمية والخدمية بشكل عام؟ سؤال يطرح نفسه في ظل ظاهرة التذمر والشكوى الدائمة من مدارسنا ومستشفياتنا ودوائرنا الخدمية التي نتعامل معها. ربما يفسر البعض ذلك بأنها حالة خاصة، ولكن هذه الحالة الخاصة عندما تتخذ شكلاً جماعياً او غالباً تتحول الى ظاهرة وتصبح رأياً عاماً وحكماً للمجموع لا يمكن غض النظر عنه او تجاهله. هل نحن متحاملون على هذه المؤسسات وعدائيون تجاهها عندما تتعطل لأحدنا مصلحة او يتأخر انجاز معاملة ما أو أنّ ما تقدمه هذه المؤسسات لا يرقى فعلاً الى المأمول منها ولا يتناسب مع ما يتوفر لها من امكانات وما تحاط به من رعاية؟ وإذا كان عامل الامكانات ـ المادية بالذات ـ مهماً فلماذا يلجأ بعض الأفراد إلى طلب العلاج مثلاً في دول أقل منا امكانات مادية لا نريد ان نسميها خشية الاتهام بالاساءة اليها؟ هل هو عامل الخبرة الذي لا يمكن أو لم تستطع ان توفره تلك الامكانات؟ هذا احتمال.. ولكن الاحتمال الأرجح في رأيي هو عامل الاخلاص الذي نفتقده لدى الكثير من العاملين في مؤسساتنا الخدمية التي هي موضوع تذمرنا وشكوانا الدائمة وعدم رضانا. وإذا ما صح هذا التشخيص فهو إرث دخيل على تعاليم ديننا وعلى قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا لا نعرف كيف تسلل الى مجتمعاتنا ليصبح الإهمال وعدم الاكتراث هو السمة الغالبة علينا. الحادثة التي استمعت اليها وسأحكيها ما هي الا مثال على هذه الحالة، والموقف الذي وجد صاحبها نفسه فيه هو واحد من المواقف التي ربما وجد كثير منا أنفسهم فيها او تعرضنا لها بشكل او بآخر. لو أن ما حدث كان في عيادة صغيرة او مركز خاص يشغل طابقاً في إحدى البنايات لكان الأمر أخف وقعاً، ولكنه حدث في واحد من أكبر مستشفياتنا المتخصصة في الولادة. يقول محدثي الذي أثق في روايته ان المستشفى الذي كانت زوجته تتابع فيه مراحل حملها اخبرها ان الجنين الذي كان قد أكمل شهوراً قد توفي في بطنها، ورغم الصدمة التي شعرت بها هي وزوجها فقد اسلمت امرها لله ودخلت المستشفى لاسقاطه كما يقتضي الامر في مثل هذه الحالات. منذ اللحظة الاولى التي دخلت فيها الزوجة المستشفى شعر صديقنا بحالة اللامبالاة التي يتعامل بها الجميع مع النزيلات او مع زوجته على الاقل باعتباره قريباً من الوضع، فرغم الحالة النفسية التي تمر بها الزوجة نتيجة فقدها للجنين الذي كانت تترقب ولادته إلا ان البرود كان الطابع الذي تعامل به العاملون في المستشفى مع الحالة، فالاسئلة التي كان يطرحها هو او زوجته كانت تقابل بالتجاهل او بالردود غير الواضحة. الكل يبدو مشغولاً.. لا تعرف بماذا.. ولكنهم مشغولون على اي حال. مرت عدة ايام قبل ان تقرر الطبيبة إعطاء الزوجة محلولاً لإنزال الجنين. وكانت الليلة التي سقط فيها الجنين اشد الليالي واكثرها معاناة للزوجة، فرغم انها طلبت من الطبيبة ادخالها غرفة الولادة اكثر من مرة لإحساسها بالطلق الا ان الطبيبة كانت تطلب منها في كل مرة الانتظار لانشغال الغرفة والتريث لان لحظة نزول الجنين لم تحن بعد حتى وجدت المرأة نفسها غارقة في الدماء عند الفجر والجنين يسقط في السرير الذي كانت تنام عليه في الغرفة في الوقت الذي كانت الطبيبة تصرّ على ان اللحظة لم تحن بعد! وليت المهزلة توقفت عند هذا الحد، فقد تواصل مسلسل الاهمال عندما نسيت «!!!» الممرضة ابلاغ الزوجة بالامتناع عن الاكل قبل ادخالها غرفة العمليات بفترة كافية «كما تقتضي اصول التخدير» لاستخراج المشيمة التي لم تنزل مع الجنين للظروف التي صاحبت عملية الاجهاض، الامر الذي ادى الى اصابة الزوجة بنزيف ادى الى فقدها لكمية كبيرة من دمها واحتياجها الى نقل دم. وفي ظل هذا الاعمال واللامبالاة التي تعامل بها المستشفى مع الحالة رفض الزوج عملية نقل الدم وابدى استعداده للتبرع لها بدمه فكان الرد انهم سيأخذون عينة من دمه لتحليلها وان النتيجة ستظهر بعد شهر من تاريخ اخذ العينة! الطريف ـ كما يقول صديقنا الذي لم يفقد روح الدعابة رغم الايام الصعبة التي عاشها ـ انه حاول اكثر من مرة مقابلة الطبيبة المشرفة على الحالة والتحدث معها للوقوف على حقيقة الامر ليكون على بينة من امره ولكنها كانت في كل مرة تتحدث اليه وهي في عجلة من امرها وتتهرب من مقابلته بدعوى ان لديها ست حالات رغم الحالة الحرجة التي كانت تمر بها زوجته. والاطرف من ذلك ان طبيباً زميلاً لها في المكتب حاول التدخل في النقاش لصالح زميلته الطبيبة، وعندما طلب منه الزوج الكشف على الحالة اعتذر بحجة ان لديه هو الآخر ست حالات، الامر الذي دعا صديقنا الى التساؤل عما اذا كان هناك قانون او نظام او قسم طبي ـ غير قسم ابقراط المعروف يمنع الاطباء من الكشف او الاشراف على اكثر من ست حالات. واخيراً وبعد ان فاض بصديقنا الكيل توجه الى مدير المستشفى الاجنبي لعرض الامر عليه وطلب التدخل، وبعد ساعتين من الانتظار تمت المقابلة التي ابدى المدير خلالها تفهماً لشكوى صديقنا ووعد بالتحقيق في الموضوع واتخاذ اللازم. الاجراء الوحيد الذي لاحظه صديقنا في اليوم التالي هو اختفاء الطبيبة والممرضة من العنبر الذي تقيم فيه زوجته، اما الاجراء الذي اتخذه هو دون تردد فهو اخراج زوجته من المستشفى... ومازالت الزوجة تعاني صحياً من النزيف الذي تعرضت له ونفسياً من الطريقة التي عوملت بها لوجود الحالات الست التي حرمتها ما تستحق من عناية واهتمام. آخر اخبار صديقنا العزيز الذي يعتقد ان النحس يلازمه ـ انه قرر ان يرفع دعوى على الطبيبة والمستشفى اللذين تسببا في الآلام النفسية والجسدية التي تعاني منها زوجته حتى الآن.. وقد نصحته بأن يتأكد من ان المحامي الذي سيرفع له الدعوى لا يترافع في ست قضايا وإلا اصبحت قضيته هي السابعة وعندها تتكرر المأساة التي تعرضت لها زوجته ومازالت تعاني من آثارها حتى الآن، ومن ثم تتحول المسألة الى عقدة يمكن ان نطلق عليها عقدة «الحالة السابعة» ونبحث لها عن العلاج في مكان آخر ابعدنا الله وصديقنا العزيز عنه.