ما يحدث الآن ومنذ فترة في بقاع شتى حول العالم ـ عربية وفي الغالب إسلامية ـ من معاناة وألم وشقاء يذكرني باحدى القصص القصيرة الرائعة لأنطون تشيكوف الكاتب الروسي المبدع، وتحمل هذه القصة اسم «شقاء». بطل القصة «أيونا» يجسد في صورة رسمتها ريشة تشيكوف بحرفية عالية معنى من معان لا حصر لها تحتويها صنوف الشقاء. و«أيونا» هو سائق لعربة صغيرة يعيش على هامش الحياة، ويعاني الأمرين كي يكتسب قوت يومه، هو ممن دفعتهم الحياة للعيش «تحت النعل.. قيد السحل». وقف أيونا يرتجف .. الثلج المتساقط يكاد يغطي جسده دون ان يفكر في ازاحته، كان جل تفكيره منصرفاً إلى من يجيء أو يروح في كل الجهات، لعل أحدهم يتجه صوب العربة. وبعد طول انتظار قفز في العربة ضابط عسكري، وما ان تحركت العربة غاب «أيونا» في بحر متلاطم من الألم والشقاء. فقد فَقَدَ خلال الأسبوع أغلى، أو كل ما يملك، مات ابنه، لذا تجيش في صدره ضغوط هائلة، تكاد تدفعه للانهيار، فالضغوط تدفع من يملك فضل قوة للانفجار، ومن لا يملك قد تودي به إلى الانهيار، كان لزاماً عليه ان يتحدث عن همومه، لكن هل يسمع له أحد؟! أحس انه يمكنه ان يتحدث مع الضابط، وكم داخله شعور بالارتياح لمجرد ان وجد بعض الاهتمام منه لكنه ما ان بدأ حتى قطع أوتار الحديث صراخ أحد المارة كادت العربة ان تطيح به. حاول أيونا معاودة ما انقطع لكن الراكب لم يعد مهتما، وتكررت المحاولة ثانية وثالثة ومع كل الركاب لكن أحداً لم يأبه به أو بما يقول، كان لابد له ان يحكي، يسري عن نفسه، لكنه لم يجد في النهاية بداً سوى ان يحادث مهرته إذ لم يعد يحتمل صدره كتمان الألم حتى وان ظلت المهرة تأكل بنهم، بينما هو يندفع في سرد آلامه بحماس. ألا يوازي هذا الشقاء شقاء شعوب عربية وإسلامية كاملة، ألا يعاني الفلسطينيون كافة صنوف الشقاء في حياتهم على أيدي الصهاينة المتجبرين. وما يجري في فلسطين يتواصل في العراق ويتكرر على مرأى من الجميع في أفغانستان، لكن الجميع وضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا صراخ الأطفال وانتحاب النساء، وغطوا أعينهم حتى لا يروا دموع العجائز، وكم هي ساخنة تلك الدموع.