هل يستطيع صاحب بقالة الحي الذي لا يعتمد الا على موارده الشخصية الفردية ان يصمد في المنافسة طويلاً اذا افتتح الى جواره سوبر ماركت ضخم وحديث ينتمي الى سلسلة تملكها شركة عملاقة؟ هذا تقريباً هو وضع الدول النامية الفقيرة في ظل النظام العولمي المقترح الذي تجسده «منظمة التجارة العالمية». اقول هذا بمناسبة المؤتمر الرابع للمنظمة المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة. وهو اجتماع لن يختلف عن سابقيه من حيث تفادي الاجابة عن سؤال مفصلي: هل الغرض الاصلي من انشاء «منظمة التجارة العالمية» هو فعلاً تدشين نظام جديد للتبادل التجاري العالمي يتسم بالعدالة وتكافؤ الفرص بين دول العالم اجمعين غنيها مع فقيرها ام هو مجرد تقنين الزامي لوضع تجاري عالمي قائم يزداد فيه الاغنياء عنى والفقراء فقراً؟ وابتداء يجب ان نسجل ان «منظمة التجارة العالمية» مؤسسة عولمية تأتي كأحدث ابتداع من ابتداعات مجموعة الدول الصناعية الرأسمالية لتنضم الى مؤسسات مماثلة تحمل صفة «عالمية» مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي انشئت اصلاً لتستخدم كأدوات سياسية لنشر وترسيخ السيطرة الرأسمالية على العالم. ومن هنا يمكن القول ان الهدف الخاص من وراء فكرة «منظمة التجارة العالمية» هو فعلاً محاولة لتثبيت وضع قائم بتأطيره قانونياً حتى يصبح ملزماً لكل حكومات العالم. فما هي الفكرة؟ ان الفكرة كما يطرحها منظرو العالم الرأسمالي هي ببساطة الزام كل دول العالم بفتح اسواقها على مصاريعها في وجه تدفق السلع والخدمات الآتية من مصادر خارجية عن طريق ازالة الحواجز الجمركية واجراءات الحماية او خفضها الى ادنى حدود ممكنة. وفي تسويقهم للفكرة يقول هؤلاء المنظرون ان النظام التجاري الجديد، ويطلقون عليه «تحرير التجارة العالمية»، سوف يفيد الدول الفقيرة بصفة خاصة. فهي من ناحية سوف تستقبل سلعاً وخدمات مستوردة بأسعار ارخص نسبياً بينما تتمكن سلعها وخدماتها المصدرة الى اسواق الدول الصناعية من منافسة منتجات تلك الدول المتقدمة. ان هذا الطرح صائب نظرياً وعلى الورق فقط لانه يقوم على فرضية ضمنية بأن دول العالم كلها متساوية او متقاربة في قدراتها الانتاجية كما ونوعاً.. بينما الواقع يقول بعكس ذلك. فكيف تدخل الدول النامية في تنافس مفتوح مع الدول الصناعية بينما تظل القدرات الانتاجية للبلدان الفقيرة في حالة عجز مستديم، اما بسبب شح التمويل او عدم توفر التكنولوجيا العالمية؟ بعد ازالة الحواجز الجمركية والغاء اجراءات الحماية سوف يترسخ وضع الدول النامية في ساحة التجارة الدولية كصاحب بقالة الحي في مواجهة السوبر ماركت الحديث الذي يعتمد على شركة تسندها مصانع وبنوك. ان العدالة تقتضي اولاً انقاذ الدول النامية اقتصادياً للانطلاق على طريق التنمية المستدامة حتى تبلغ مستوى انتاجياً نوعياً يمكنها من منافسة الدول الصناعية. وهذا بدوره يعتمد على مدى استعداد هذه الدول الغنية لمساعدة الدول الفقيرة. غير ان المؤشرات المتوافرة حالياً ليست مشجعة. فالدخول المتواضعة التي تجنيها الدول النامية من صادراتها يذهب جلها لسداد مديونية خارجية لصالح الدول الغنية ومؤسساتها، بينما يواصل صندوق النقد الدولي فرض شروط اقراضية قاسية على حكومات الدول الفقيرة تؤدي في اجمالها الى نسف قيمة العملة الوطنية وانهيار مؤسسات الصحة والتعليم وانتشار البطالة بمعدلات متصاعدة. ولكن يبدو ان انقاذ اقتصادات الدول الفقيرة ليس اولوية لمجموعة الدول الصناعية الغنية، بل العكس هو الصحيح، ذلك ان «تحرير» التجارة العالمية من شأنه ان يضاعف الاضرار التدميرية الواقعة على الشعوب الفقيرة. وهذا هو الوجه الاقتصادي القبيح لظاهرة العولمة.