أولادي مغرمون بمداعبتي بالحديث عن سني، فيقولون «لابد انه شيء لطيف ان يكون المرء في الخامسة والخمسين من عمره، لانك تلتقي اناساً جددا كل يوم». تلك هي طريقتهم التي لا تفرق كثيرا في المراوغة، في الاشارة الى انني غالبا ما انسى اسماء اصدقائهم وملامحهم، الامر الذي يعني انه تتعين اعادة تقديمهم لي مرات عديدة قبل ان اتذكر من هم بالضبط. وقد استخدمت هذه القصة القصيرة قبل اسبوعين في مستهل ملاحظاتي التي ادليت بها في مؤتمر لرؤساء تحرير الصحف وكتابها، وقد طلب مني ان القي الكلمة الرئيسية في مؤتمرهم هذا، وكان الموضوع الذي اسندت اليّ مناقشته هو «اكتشاف الامريكيين العرب». وهناك، في حقيقة الامر، اهتمام هائل بالجالية الامريكية العربية من جانب اجهزة الاعلام، وابتداء من شبكات التلفزيون القومية الى محطات التلفزيون والصحف المحلية على امتداد الولايات المتحدة، عهد الى المنتجين والاعلاميين باعداد تقارير عن الامريكيين العرب، ولما كانت الغالبية الكاسحة من هذه التقارير عبارة عن صور ايجابية للغاية للجالية، وساعدت الى حد كبير في التقليل من حدة رد الفعل على احداث الحادي عشر من سبتمبر فإن المشروع بأسره كان شيئا طيباً للغاية ومرضيا، ففي نهاية المطاف يعد احباط الصور النمطية السلبية ومساعدة الامريكيين في معرفتنا على ما نحن عليه حقا الهدف الذي عملنا على تحقيقه. ولكن هذا شيء مثير للاهتمام والفضول بل ويدعو للابتسام ايضا، حيث انه يعد شيئا ليس وليد اليوم ولا ابن الامس القريب، وفي حقيقة الامر فإنه كل بضع سنوات قلائل وخاصة عندما تثور ازمة في الشرق الاوسط، فإن اجهزة الاعلام الامريكية «نعيد اكتشاف» الامريكيين العرب. واقول انه امر «مثير للاهتمام والفضول» لانني تدهشني بصورة مستمرة الحقيقة القائلة انه على الرغم من انني احيا في مجتمع يبدو انه يتمتع بمقدرة لا نهائية على الوصول الى المعلومات وقدرة على الحصول على تلك المعلومات بصورة فورية، إلا اننا غالبا لا نضع يدنا على تلك المعلومات. والتقارير الاخبارية بصفة خاصة تبدو ضحية خاصة لظاهرة «الافراط في المعلومات» هذه. وتتمثل احدى نتائج اثر التقنية على المعلومات في ان متوسط الدورة الاخبارية، اي المدة التي يستغرقها التقرير الخبري في اطلاقه، قد انكمش من 24 ساعة الى 6 ساعات، وهذا يعني انه عندما يكتب محرر تقريرا اخباريا، فإنه يتعين القيام بأبحاث حول موضوعه وتحريره وتقديمه سريعا قبل ان تتجاوزه الاحداث وتسدل عليه تطورات جديدة الستار. وتتمثل احد اوجه الخطر في توفر معلومات اكثر مما ينبغي في ان قدرا محدوداً اكثر من اللازم منها يمكن استخدامه او استيعابه، ولدى قيام اعلامي بكتابة تقرير اخباري فإنه لايريد مادة سياقية اكثر من اللازم حيث ان التقرير الاخباري حسبما يقال، ليس رسالة دكتوراه، او ماجستير، وغالبا ما يستقر رأي الاعلامي على مادة مناسبة للسياق اقل مما ينبغي، تتمثل مادة الخلفية العامة المهمة الوحيدة التي تدرج فيها في ما وقع بالامس القريب او ما يجري تقبله بصورة عامة باعتباره «حكمة تقليدية» «او تحيزا سائدا» ومن هنا فإن هذه المادة بحكم تعريفها لا تقتضي «تفسيراً اكثر مما ينبغي». ومن النتائج الجانبية لهذا «الافراط في المعلومات» والحركة السريعة للتقارير والاحداث الاخبارية ان التقارير الاخبارية لا يتم انجازها غالبا دون مادة توضح السياق فحسب، وانما ان الاعلاميين والمحررين غالبا ما ينسون التقارير التي انجزوها هم انفسهم بعد ان ينتهوا منها، ويعجزون عن التوصل الى الصلة بين ما كتبوه بالفعل وما يكتبونه الآن. ومن الحالات التي جرت مؤخرا والتي تنتمي الى هذا النوع انه بما ان الحالات البارزة للتلوث بالجمرة الخبيثة وقعت في واشنطن العاصمة فإن «واشنطن بوست» درجت يوميا على تغطية هذا الموضوع، وعهد الى عدد من الصحافيين بتغطية الجوانب المختلفة من هذا الموضوع، ابتداء من انتشار العدوى الى معالجة ابناء واشنطن الذين اصيبوا بالجمرة الخبيثة وذلك باستخدام المضادات الحيوية، ولما كان العلاج الذي يوصف بصورة اكثر شيوعا هو جرعة يوميا على مدار 60 يوما من عقار «سيبرو» وهو مضاد حيوي بالغ القوة، فقد اعدت تقارير عديدة حول هذا العقار، وقدر ان هذا العقار وصف لاكثر من عشرة آلاف شخص وذلك بصورة اساسية كاجراء احترازي، مع قيام عدد اكبر من هذا من الناس بتناول العقار من تلقاء انفسهم من دون تذكرة طبية. وقد ركزت التقارير التي ظهرت حول عقار سيبرو على موضوعات تتراوح بين تأثير هذه الازمة على الشركة التي تنتجه وتقارير تتناول الآثار الجانبية لهذا العقار. وتشمل هذه الاثار الجانبية مشكلات محتملة في الهضم واثر سلبي على الجهاز المناعي للجسم. وقد تم تجاهل اثر جانبي ربما كان اكثر خطورة في كل هذه التغطيات الاعلامية، فقد وجد ان عقار «سيبرو» يؤدي الى مستوى خطير من الاكتئاب والقلق لدى بعض الافراد، وفي حقيقة الامر فقد ذكر ان الكثير من الاشخاص الذين تناولوا هذا العقار قد اقدموا على الانتحار بفعل تعرضهم لانهيار عصبي. اين عثرت على هذه المعلومات؟ في تقرير نشرته «واشنطن بوست» نفسها عن عقار «سيبرو» في عام 1994 . بالطبع فإن الامر المحزن هو انه بينما تذكرت ذلك التقرير فإن احدا في «واشنطن بوست» لم يتذكره، وبالتالي لم يرد ذكر لهذا الخطر في اي من التقارير التي نشرتها الصحيفة خلال الشهر الماضي. هذا هو ما يعيدني الى المنطلق الذي بدأت منه حديثي، ذلك ان الامريكيين العرب يجري اكتشافهم، ام تراني يتعين علي القول: اعادة اكتشافهم من قبل بعض الصحف وشبكات التلفزيون التي سبق لها هي نفسها ان اكتشفتنا مرتين في العقد الماضي وحده. وفيما كنت احادث اولئك الذين عهد اليهم باعداد هذه النوعية من التقارير فقد اكتشفوا مرة اخرى تنوع جاليتنا والحقيقة القائلة اننا لسنا مجموعة عرقية جديدة في امريكا، حيث اننا فيها منذ 120 عاما، ومعظم الامريكيين العرب ليسوا مسلمين «ففي حقيقة الامر لاتتجاوز نسبة المسلمين في صفوفهم 20%» وغالبيتهم ليست من المهاجرين الجدد «80% منهم ولدوا في الولايات المتحدة» والكثير منهم حققوا البروز ولقوا القبول في امريكا «هناك اثنان من الامريكيين الذي يعتزون بأصولهم العربية وهما سبنسر ابراهام وميتش دانيليز من وزراء ادارة بوش، وكانت دونا شلالا من وزراء ادارة كلينتون. وجانب كبير من هذه المعلومات يعد جديدا بالنسبة لمن يقومون باعداد التقارير، ويبدو الكثيرون منهم مندهشين من سماع الحقائق فيما يتعلق بالجالية الامريكية العربية، وعلى الرغم من ان هذا التقرير سبق ان كتب من قبل، وقد نحدث انفسنا بأن «الجميع يعرفه»» إلا انه في حقيقة الامر لم يتم الاحتفاظ به في الذاكرة، ومن هنا فإنه يعد شيئا جديدا. هكذا فقد تعلمنا درسا مهما، فعندما تخاطب الصحافيين لا تنظر الى شيء ابدا على انه امر مسلم به، وانما عليك ان تسرد الحقائق في كل مرة وكأنك تقولها للمرة الاولى تماما كما يقوم ابنائي باعادة تقديم اصدقائهم لي، وعليك ان تعرف انك اذا لم تقلها كلها وبشكل صحيح، فإن ما سيتم نشره اما ان يكون تقريرا جزئيا او تقريرا يقوم على تحيز من جانب احد الاعلاميين او يقلل من قيمته افتقار اعلامي للمعلومات. ولان الامريكيين العرب تمتعوا بالدقة والذكاء، فإننا نجحنا غالبا في ان نجعل قصتنا تروى بشكل جيد، وغالبا ما رويت هذه القصة ، لكنني اعتقد انها قصة جيدة والقصة الجيدة تحتمل التكرار. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي