أمام جسدي النحيل أقاوم رغبتي في الاطاحة بالعالم، أغض نظري كلما تشاجر اثنان أقوى مني وأذهب الى الملاهي لأرى أناسا مختلفين عني يقبلون على الحياة كأنها قطعة حلوى، حين أعود أختبئ تحت ملاءتي أنام دون ولع كبير باصطياد أحلام لا تلائمني، أبحث في يدي عن عشبة صغيرة تنبت بمحاذاة جدار مهدم، أدخل بيتا كأني سكنته منذ ولدت وتحت الملاءة سأمتلك حرية لن يراني معها أحد، لذا نستطيع أن نتعانق دون خوف أيتها الحرية. كنت أكتشف عالم الأحاسيس عند كاتبة هذه القصيدة الشاعرة ميسون صقر عندما هبت على أوراقي عاصفة عاتية سوداء أطاحت بكل ما في أحلامي من رغبات في الوصول الى بر الحرية كانت هذه العاصفة قادمة من بلاد قامت على الحرية وازدهرت بالحرية وبنت امبراطوريتها العظمى بالحرية وأشهر معالمها تمثال الحرية فما الذي جرى للولايات المتحدة الأمريكية؟ يا الله نحن نتنشق على الحرية ونتوحم عليها ونحلم بها. ونصلي ليل نهار بأن تمكث معنا وتباركنا وتشع بنورها علينا أحضرنا لها زهورا وقصائد شعر وحزم النعناع الأخضر وفرشنا لها الأرض رملا وعطرا وعرضنا عليها مهرا وعنبا وتفاحا وهناك من زهق منها ويعلن انفصاله عنها ومستعد أن يطردها ويشردها. لقد شعرت بالفزع عندما راحت التقارير الصحفية والسياسية الأمريكية تتحدث عن جنازة الحقوق المدنية التي أصيبت إصابة غير قاتلة في الهجوم على واشنطن ونيويورك في أحداث سبتمبر الأسود أو أيلول الأسود لكن بدلا من علاجها وتضميد جراحها وتهدئة روعها سارعت أجهزة الأمن بالقضاء عليها ووصل الأمر الى حد المطالبة بإباحة التعذيب وعودة التجسس على الحياة الخاصة وفرض المحاكمات العسكرية والأحكام الاستثنائية وتقليص حرية التعبير وكشف الحقائق والوثائق والمعلومات وفرض سحابة سوداء على العقول والأفكار كل ذلك بدعوى محاربة الارهاب رغم أن مثل هذه الاجراءات هي أكبر انتصار للارهاب. إن آخر ما قرأت في مجلة «نيوزويك» الأمريكية هو أن أجهزة الأمن هناك قررت العودة للتعذيب في عمليات الاستجواب التي يتعرض لها المشبوهون لم تعد هذه الأجهزة قادرة على الفوز بالاعترافات ببراعتها التي كان العالم يحسدها عليها لقد جاء خريف الغضب الأمريكي بأفكار تعيد البشرية الى هاوية الهمجية فما الذي يمكن أن ينحدر اليه الانسان أكثر من أن يقسو بدنيا ونفسيا على إنسان آخر؟ ما الذي يميز الانسان عن الحيوان ما لم يحافظ على ثروة الأحاسيس والمشاعر التي خصت بها السماء البشر وميزتهم بها عن غيرهم من سائر المخلوقات والكائنات؟ لكن والشهادة لله تريد أجهزة الأمن الأمريكية أن يكون التعذيب نفسيا وأن يكون بأمر من المحكمة وتحت اشراف الطب الشرعي أي أنه تعذيب خمس نجوم تعذيب عالى رفيع المستوى كأن يضعوا المشبوه في حجرة مغلقة ضيقة ويحطموا أعصابه بشريط تسجيل يصدر عنه صوت قبيلة من الأرانب وهي تموت وأغلب الظن أنها وسيلة بشعة لتفتيت المشاعر وتحطيم المقاومة النفسية وإن كان الأكثر رحمة منها هو التعذيب بموسيقى الراب الصاخبة التي تشعر من يخضع لها بأن رأسه مثل قنبلة عنقودية لا تكف عن الانفجار إن التعذيب بالأصوات وسيلة سبق أن جربها الجيش الأمريكي في عمليات الغزو التي قام بها في بنما وفيتنام وكوريا وهي لا تختلف كثيرا عن التعذيب على الطريقة الصينية الشهيرة طريقة التعذيب بالتنقيط. نقطة ماء تنزل في ملل ورتابة الى جانب الرأس حتى تتحطم الارادة وتصبح المقاومة نوعا من البودرة. وتعتبر أجهزة الأمن الأمريكية أن هذا النوع من التعذيب الراقي لا يقارن بما يجري في دول العالم الثالث واسرائيل حيث يعذبون الفلسطينيين بما يسمونه، الهز، وهو أن يحمل المتهم كيسا من القماش فيه أوساخ نتنة ويضعه فوق رأسه في غرفة مظلمة أرضيتها غير ثابتة تهتز وهو تعذيب نفسي مخيف لا يقل ألما عن اسلوب وضع المتهم في مكان ضيق معصوب العينين وأمامه قنبلة تستعد للانفجار بواسطة العد التنازلي وإن كان الأكثر قسوة وشراسة هو وضع المتهم معصوب العينين في جوال مربوط فيه قطط جائعة وهو الاسلوب الذي ابتكره العراقيون وسجله الكاتب الروائي عبدالرحمن منيف كتجربة ذاتية في كتابه المؤلم شرق المتوسط. إن الأمريكيين يرفضون مثل هذه الأساليب حتى إشعار آخر يعتبرونها بشعة حتى الآن ويفضلون نيابة عنها التعذيب على أنغام الموسيقى أو على أنغام قنبلة تبدو وكأنها على وشك الانفجار وكأن هناك تعذيبا طيبا وتعذيبا قبيحا تعذيب إنساني وتعذيب حيواني تعذيب مقبول وتعذيب مرفوض أو كأن على الأمريكيين أن يصدروا قائمة بالتعذيب مثل قائمة الطعام يختار منها المتهمون والمشبوهون ما يروق لهم على طريقة أين تتعذب هذا المساء؟ ولو كانت أشد الدول ديكتاتورية قبلت أن تكون جريمة التعذيب جريمة مزمنة لا تسقط بالتقادم فإن الولايات المتحدة وطن الحريات والحقوق المدنية تريد أن تفلت من هذه الجريمة وتطالب القضاء بأن يصدر أوامره بالتعذيب وهو خرق للدستور وغض للطرف ومنح التعذيب شرعية قانونية. وأغلب الظن أن القضاة سيرفضون ذلك فصعب عليهم قبوله وأهون على ضمائرهم أن يجري التعذيب بعيدا عن عيونهم وضمائرهم وعقولهم على حد قول نيوزويك التي تضيف: إننا لا نستطيع أن نجعل التعذيب الجسدي قانونيا فذلك يتنافى مع المبادئ الأمريكية ولكننا عندما نتحدث عن انتهاكات حقوق الانسان في العالم فلابد أن نفتح أعيننا على بعض الاجراءات لمحاربة الارهاب مثل موافقة المحكمة على التعذيب النفسي خلال الاستجواب. وأكثر وسائل التعذيب النفسي التي يمكن أن يوافق عليها القضاء هو أن يتناول المتهم محلول الصوديوم أو محلول الحقيقة وهو مركب كيماوي تتلهف أجهزة الأمن على استخدامه بعد أن استخدمته المباحث الفيدرالية ضد الجواسيس في الحرب العالمية الثانية ولكن هذا المحلول الذي يصيب من يتناوله بالثرثرة ربما لا يجعله يقول الحقيقة وقد ينطبق ذلك على أنواع التعذيب الشديد فالشخص عندما ينهار فإنه قد يكذب فأعداد هائلة ممن تعرضوا للتعذيب اعترفوا بجرائم لم يرتكبوها على غرار النكتة التي شاعت في وقت من الأوقات عن التمثال المجهول الذي حار فيه علماء الآثار وعندما أصبح الأمر في يد أجهزة الأمن نجحوا في التعرف على شخصية التمثال. وعندما سئلوا عن كيفية التوصل بسرعة الى ذلك قالوا: إن التمثال اعترف بنفسه. وربما تكون الموافقة على التعذيب الضربة القاضية لأنصار الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. إن ملايين الأعضاء في مئات الجمعيات الأهلية لم يقدروا على مواجهة قانون الارهاب الأخير الذي أقره الكونجرس بأغلبية تكاد تكون مطلقة فلم يعترض عليها سوى صوت واحد وقد أباح القانون الجديد ما كان قبل ذلك فضيحة وكارثة أباح مراقبة الهواتف دون إذن من القضاء وسهل اعتقال المهاجرين حتى لو كانوا يحملون الجنسية وشجع السلطات الفيدرالية على متابعة وتجميد الأموال دون تقديم ما يبرر ذلك ومد فترة مراقبة الأشخاص الى نحو أربع سنوات كاملة. ورغم أن القانون كان حذرا في تضييق إفراط السلطة التنفيذية في تجاوزات الحريات الشخصية فإن المجتمع الأمريكي المصاب بصدمة عمره مما جرى لم يتوقف ليحاسب الرئيس جورج بوش على قراراته اليومية التي تساند أنصار التقييد والتحريم والتجريم والمنع فهو قد أمر بمراجعة ملفات اللاجئين القادمين من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وعددهم نحو 20 ألف شخص رغم أنهم لا ينتمون الى دول متهمة بالارهاب وأمر بطرد كل طالب أجنبي لو لم يكن مجتهدا في دراسته حتى لو كان يقيم اقامة شرعية. والأخطر من ذلك أنه أبدى استعداده أن يفتح المحاكم العسكرية ليحاكم أمامها من يدان بالارهاب .. وهو أمر يتناقض مع كل الاعتراضات الأمريكية الشهيرة على المحاكمات العسكرية التي حوكم أمامها الارهابيون في دول مختلفة من قبل ولم نجد منظمة واحدة من منظمات حقوق الانسان تسجل اعتراضها على ذلك كما كانت تفعل مع الدول الأخرى بل أنها كانت تحرض الادارة الأمريكية على حرمان هذه الدول من المعونة الخارجية بدعوى أن ما تفعله منافٍ للديمقراطية. وأخطر ما وافقت عليه السلطة التشريعية والادارة الأمريكية هو اصدار تراخيص بالقتل لوكالة المخابرات المركزية وهو ما وصف في أكثر من مصدر صحفي وسياسي بأنه ايقاظ لوحش نائم منذ سنوات طويلة في كهف بعيد عن العمران وعودة للعبث مع الفك المفترس أو أسماك القرش المتوحشة وكان الكونجرس قد قلم أظافر وأنياب هذا الوحش بعد سقوط الرئيس ريتشارد نيكسون في فضيحة ووترجيت والتقرير الشهير المعروف بتقرير، «تشرش»، الذي أكد أن مثل هذا الوحش لا يمكن أن يفرق بين عدو ومواطن لا يمكن أن يفرق بين مشاعر الخطر ورغبة الانتقام وأن الذي يتذوق طعم القتل أو التجسس لا يمكن أن يشفى من هذا الادمان وسيسعى الى جرعات متزايدة من هذا المخدر مهما كان مصدرها فالمدمن يتناول الجرعات الأولى لسبب أو لآخر ثم لا يهمه فيما بعد سوى الجرعة إنها ستصبح الهدف والمنتهى في حد ذاتها. تنازل مذهل ولاشك أن قوة المخابرات المركزية تتضاعف كل يوم وربما كل ساعة خاصة وأنها القائد الحقيقي للحرب الدائرة في أفغانستان فهي التي تحدد الأهداف التي تضربها الطائرات العسكرية وهي التي تمول قوات المعارضة المناوئة بالأموال والسلاح والملابس العسكرية المبرقشة وأحذية الجنود السوداء وهي التي تجري المفاوضات السرية نيابة عن بلادها مع كل الدول التي جربت الارهاب أو تملك ملفاته وهي التي ترتب الأوضاع وتوزع المناصب والسلطات فيما بعد سقوط طالبان ولو بعد عمر طويل. وهي التي تقود الحرب النفسية ضد تنظيم القاعدة والملا عمر الذي منح نفسه لقب أمير المؤمنين وهي التي تجند وتدفع وتشتري العملاء والزعماء في منطقة الصراع الملتهب في آسيا الوسطى إن رجال المعاطف والخناجر الذين لا يعرفون سوى الكواليس ولا يعملون إلا في الخفاء قد أصبح لهم السيادة على كل أصحاب الياقات البيضاء في الادارة الأمريكية. ويشعر الصحفيون والسياسيون بقلق متزايد من التعتيم الاعلامي المفروض على نشرات الأخبار وتغطية الأحداث. لقد عرفت الولايات المتحدة ما يمكن أن يوصف بالتوجيه الاعلامي وما يمكن أن يشير لوجود رقابة ولو غير معلنة وغير رسمية على ما ينشر وما لا ينشر على ما تراه الناس على شاشات التلفزيون وما لا تراه إن أحداثا مثيرة وخطيرة جرت أغفلها الاعلام الأمريكي الذي لم يتصور أحد أنه يمكن أن يفرط في حريته بهذه السرعة وعلى هذا النحو إن عملية سقوط أو إسقاط الطائرة الثالثة في بنسلفانيا لم يقترب منه أحد وما أذيع في الدقائق الأولى للهجمات عن سيارات انفجرت بالقرب من وزارة الخارجية والبوابة الخلفية للبيت الأبيض لم يتكرر فيما بعد. ويحرص البنتاجون مثل حرصه على عينيه أن لا تظهر صورة واحدة مؤلمة لقواته في أفغانستان تذكر الناس بما كان في فيتنام أو تذكرهم بالطيار الأمريكي الذي مثلوا بجثته في شوارع مقديشو وهو ما أدى الى الانسحاب فورا من الصومال وهو ما جعل مستشارة الأمن القومي كوندليز رايس ترجو المحطات التليفزيونية الاخبارية في بلادها أن تمتنع عن الترويج لما وصفته بالاعلام المضاد وتقصد الاعلام الذي لا يقول بالنسبة للأمريكيين أن كل شئ تمام ويبدو أن غياب الحقيقة التي تعود عليها الأمريكيون جعلتهم يفتشون عنها بطرق أخرى لعل أهمها الآن الكتب التي تتحدث عن الدين الاسلامي وأصبح القرآن الكريم في ترجمته الانجليزية هو الكتاب الأكثر مبيعا. لقد أدت هجمات سبتمبر الى أن تتصرف الولايات المتحدة كدولة من دول العالم الثالث فقد تنازلت بسرعة مذهلة عن حرياتها المدنية والسياسية والاعلامية وفرضت حالة استثنائية من التصرفات القانونية وهذا التنازل هو أخطر من الهجمات التي تعرضت لها فالمجتمع الأمريكي هو مجتمع يتكون من عشرات الجنسيات والأصول والعقائد والأفكار والأذواق وكلما زادت الاختلافات زادت التناقضات زادت الصراعات وكلما زادت الصراعات تعمقت الخلافات وهددت بما يتجاوز حدود الأمان والحل الذي توصلوا اليه هو توسيع مساحة الحريات لتلافي التناقضات والخلافات والصراعات. ولو ضيقت هذه المساحة كما يحدث الآن فإن كل عيوب الاختلاف تظهر وتتفجر، وتكون قد أصابت المجتمع اصابة شديدة في عموده الفقري الى جانب أسس أخرى يقوم عليها المجتمع الأمريكي مثل حرية الاعلام لسهولة محاسبة الحكومة. وحرية السفر وحرية الاتصال وحرية المعلومات. وكل هذه الحريات أصبحت مهددة الآن سواء بيد الأعداء خارج الادارة الأمريكية أو بيد الأصدقاء داخلها وهو ما يعني أن الارهاب قد حقق بيد الأمريكيين ما لم يحققه بيده. ـ كاتب مصري