غالباً ما يحاول البعض في أتون الحدث اللاهب، القفز فوق الحقائق التي باتت جزءاً من الثوابت السياسية ـ الإجرائية، فيما يخص تسوية القضية الفلسطينية بخاصة، والقضايا العربية المعلقة أو المجمدة، بشكل عام. فقد ذهب هذا البعض، في تفسيراته وتأويلاته، بعيداً عما يجري على أرض الواقع، بفعل استناده إلى دوافع أيديولوجية صرفة، توقعه في أكثر الأحيان بسوء التقدير، رغم أن كل ما يجري من خطوات سياسية ـ دبلوماسية، على المستويين الإقليمي والدولي يؤكد على أن الدولة الفلسطينية أصبحت حقيقة واقعة لا محالة. فمن منطلق التذكير، وليس التبشير، لم يكن انعقاد مؤتمر مدريد لمجرد ظاهرة إعلامية صوتية وحسب، بل جاء نتيجة لقناعة عربية وإقليمية ودولية، ارتأت ضرورة عقد صفقة سياسية تبادلية، تنهي ولو جزئياً الحالة الصراعية في منطقة الشرق الأوسط، باعتبار ذلك يؤمن المصالح الحيوية لكل الأطراف دون استثناء، وينهي دورة الصراع المستشري في المنطقة نتيجة ديمومة الاحتلال الإسرائيلي .ولعل ما تبع ذلك على جبهة التفاوض الفلسطينية ـ الإسرائيلية من اتفاقيات، حياداً عن حجمها، بداية بأسلو وحتى هذه اللحظة التي نعيش، تعتبر في مجموعها، الوليد الشرعي لمؤتمر مدريد الذي تم انعقاده في عام 1991، بصرف النظر عن المراحل، والبرامج الزمنية المحددة للانسحاب من هذه البقعة الجغرافية أو تلك. وهذا الأمر لم يكن متعلقاً كما يحاول البعض إيهام الجمهور، بحادثة 11سبتمبر وغيرها، لان مفاوضات كامب ديفيد2، قد أعطت دولة فلسطينية، بمعزل عما إذا كانت هذه الدولة المعطاة مسقفة بالرؤية الإسرائيلية أو غير ذلك من التفسيرات والتأويلات التي نسمعها بين الحين والآخر. أي أن ما أردت إيصاله أن فكرة بناء الدولة الفلسطينية، قد باتت عند جميع الأطراف بما في ذلك الأحزاب الإسرائيلية الأكثر تطرفاً، مثل حزب الليكود وما يقع على يمينه من اتجاهات قومية ودينية، فعلاً واقعاً ومحققاً بشكل جزئي على الأرض، إن كان ذلك في منطقة «أ» أو «ب» أو حتى منطقة «ج»التي ما تزال تحت الاحتلال .وأن كل ما نشاهده من صلف وعنجهية عند الأطراف الإسرائيلية، ناتجة عن قناعة بإمكانية تخفيض السقف السياسي لهذه الدولة ومدى استقلاليتها وفاعليتها على المستويين العربي والإقليمي من جهة، وتأثيرها على مستقبل الدور الإسرائيلي في المنطقة من جهة أخرى. ولعل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي اتخذ في نيويورك 4/12/2000، والذي يعيد تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والذي جاء فيه: إن الجمعية العامة. 1ـ تعيد تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما في ذلك حقه في إنشاء دولة. 2ـ تعرب عن الأمل في أن يمارس الشعب الفلسطيني في أقرب وقت حقه في تقرير المصير، الذي لا يخضع لأي فيتو، في إطار عملية السلام الحالية. 3ـ تحث جميع الدول والوكالات المتخصصة ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة على مواصلة دعم الشعب الفلسطيني ومساعدته في سعيه نحو تقرير المصير كل ذلك يؤكد روح الموقف الأوروبي والأمريكي، بخاصة والدولي بشكل عام، وبدا وكأن القرار، بعيداً عن إلزاميته أو عدمها، القاعدة التي تستند إليها الحركة السياسية ـ الدبلوماسية النشطة، التي نشهدها هذه الأيام فإعلان الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، وما تبع ذلك من تصريحات أمريكية، قد صبت جميعها في هذا الاتجاه المنادي بضرورة حل قضية الشرق الأوسط وإقامة دولة فلسطينية وليس سراً إذا ما قلنا ان بعض المصادر الفلسطينية، قد أكدت، أن وزير الخارجية النرويجي ياجلاند قد حمل في زيارته الأخيرة إلى المنطقة العربية واجتماعه بعدد من القادة العرب وبالرئيس عرفات وشارون كل على حدة، مشروعاً سرياً قوامه: ضمانات وضغط أمريكي على الحكومة الإسرائيلية للقبول بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وإيجاد حلول مقبولة في باقي القضايا، مقابل إعلان الرئيس عرفات التنازل رسمياً عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر وقد تضمن المشروع أيضاً، أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا تتعهد وتضمن تقديم تعويضات للفلسطينيين المتضررين من حق العودة وقد رصدت هذه الدول مبلغاً قدر حسب المصادر ذاتها بـ 100مليار دولار من اجل هذه القضية. وقبل ذلك حاولت كندا إقناع الأطراف المتصارعة في ضرورة التوصل إلى حلول مقبولة للجانبين، وقد جاء ذلك على لسان وزير خارجيتها جون مانلي، في مقابلة نشرتها صحيفة تورنتو ستار في 10/1/2001 وفي إطار اتفاق سلام في الشرق الأوسط، قال : نحن مستعدون لاستقبال لاجئين وللمساهمة في صندوق دولي للمساعدة على إعادة توطينهم في إطار اتفاق سلام . أضاف أن بلاده مستعدة أيضاً للمشاركة في قوة دولية يعهد إليها الأشراف على تطبيق الاتفاق .وأشار إلى أنه تم عرض هذه المقترحات في الأسابيع الماضية التي سبقت هذا اللقاء، أي خلال اتصالات هاتفية أجراها مع نظيره الفلسطيني والإسرائيلي، وأنه أطلع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت عليها وبيّن أن، كندا لن تكون الوحيدة إذ نتوقع أن تقوم أيضاً دول أخرى بدور. وأوضح مانلي أن الموقف الكندي يندرج في إطار خطة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون للتوصل إلى تسوية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والتي تتضمن إقامة دولة فلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة مقابل تنازل الفلسطينيين عن حق عودة اللاجئين. ولم تكن الدبلوماسية البريطانية بعيدة عن هذا المناخ العام، رغم تسلم الجمهوريين في الولايات المتحدة السلطة، فبذات الوقت الذي جاء فيه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا إلى المنطقة لتحشيد المواقف العربية ضد الإرهاب، حاول التأكيد على ذات المواقف التي اتخذت أمريكياً وأوروبياً بخصوص حل القضية الفلسطينية، بحيث قال في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس بشار الأسد بدمشق يوم 1/11/2001، قال: بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط ومهما كانت الخلافات في منظورنا نحن كلانا نفهم أهمية إعادة البدء بعملية السلام والعودة إلى وضع يمكن أن تحل فيه الخلافات من خلال الحوار والنقاش وفي ذلك الصدد أدان بلير العنف أياً كان مصدره، وأن الناس في المنطقة يشاطروننا هذا الهدف وهو التوصل إلى دولة فلسطينية على قدم المساواة مع الدول الأخرى وعاصمتها القدس. وعلى جنبات منتدى فور منتور في جزيرة مايوركا في أرخبيل الباليار الإسباني، حول الأمن في الشرق الأوسط، الذي عقد في مستهل الشهر الحالي، جرى اجتماع حضره الرئيس الفلسطيني والمصري من جهة ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا ازنار ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز من جهة أخرى .وعلى الرغم من أنه لم يصدر عن اللقاء ما يشير إلى بداية إطلاق العنان لجولة تفاوضية جديدة، إلا أن ما نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية، في لقائها مع بيريز في أروقة مؤتمر الأمن في الجزيرة وفي رده على سؤال بشأن تأييده إخلاء بعض المستوطنات الإسرائيلية المقامة بالضفة الغربية وقطاع غزة، أعلن بيريز تأييده إخلاء بعض المستوطنات اليهودية فوراً دون أن يحدد هذه المستوطنات وأضاف: لو كنت رئيس الوزراء، لكنا في موقع أفضل ولواصلت التفاوض تحت طلقات الرصاص لانه من المستحيل التوصل إلى وقف إطلاق النار دون مفاوضات، ولانه لا يمكنك وقف إطلاق النار بإطلاق النار وحده. وكان بيريز أعلن مؤخراً أنه بصدد إعداد «خطة سلام» يعتزم عرضها خلال أسبوع أو اثنين على أعضاء حزب العمل رافضاً كشف خطوطها العريضة وبحسب تسريبات المقربين منه، لبعض الصحف الإسرائيلية، فإن الخطة تشمل انسحاباً كاملاً من قطاع غزة وتفكيك 19مستوطنة أقامتها اسرائيل فيها ويسكنها 7آلاف مستوطن . وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة «لافانجارديا» الإسبانية قال بيريز إن عرفات موافق على إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح وأجاب رداً على سؤال حول خطة السلام التي يعدها وتشمل دولة فلسطينية منزوعة السلاح. ما زلت أعمل على الأمر، فالخطة لم تجهز ولكن من الواضح أن عرفات موافق مثلنا على إنشاء دولة منزوعة السلاح وبالتالي توصلنا إلى اتفاق على هذه النقطة. وقد تكون تصريحات بيريز هذه تدحض كل الادعاءات التي قالت في نهاية لقاء الغداء الرباعي السابق الذكر، بأنه لم يتناول أية قضايا جوهرية، وأن ثمة اتفاقات مبدئية أساسية قد تم الاتفاق عليها بوجود الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس الوزراء الأسباني خوسيه ازنار حسب ما أورده بيريز. إذاً يمكننا القول، أن كل ما عمل على تحقيقه منذ العام 1968قد بدأ يتحقق منذ عام 1993 وحتى هذه اللحظة، وأن ثمة ترتيبات أمنية نهائية يجري الحديث عنها، وتتلخص بـ تقويض ما أمكن المخاطر الأمنية التي يمكن أن تهدد اسرائيل، في حال إعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس هذه المرة ومحاولة إقناع الجانب الفلسطيني بتسليم ملف اللاجئين بشكل نهائي إلى الدول المضيفة والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا باعتبار ذلك مشكلة إقليمية دولية مركبة، يجب مناقشتها خارج إطار المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية. لكن السؤال الصعب، كيف يمكن ترحيل هذه القضية خارج إطار طاولة التفاوض الإسرائيلية ـالفلسطينية، واللاجئون يشكلون ثلثي عدد سكان الضفة العربية وقطاع غزة ؟ !!إضافة إلى أن فعاليات الانتفاضتين الكبرى والأقصى كانت بمعظمها من مخيمات اللجوء المقامة على تخوم المدن الفلسطينية، وأن ما يقارب ال90% من عمليات المقاومة والاستشهاد بين صفوف الشعب الفلسطيني منهم، فإذا ما اقفل هذا الملف بهذه الطريقة، فأية نتائج صراعية جديدة قد تنشأ؟ ـ كاتب فلسطيني