خلافاً للرسوم والصور الزيتية التي ننظر إليها كتعبير فني تجريدي وغير معتمد بالضرورة، فإن الصور المزيفة يمكن أن تخدعنا بسهولة وتوحي لنا باعتقادات خاطئة. وليس تزييف الصور الضوئية أمراً حديث العهد، فعمليات الطبع والقص واللصق والتنقيح كثيراً ما استعملت في الخدع الصحفية والدعاية السياسية بين الأنظمة ومعارضيها، وراجت أيضاً في أوساط نجوم الفن الذين يتعرضون أكثر من غيرهم لسيل الشائعات.. و«فبركة» أخبار عنهم عبر الاستعانة بصور مزيّفة. ومع ذلك، ظلت الصور الضوئية تشكل يقيناً لمتابعي الأحداث، فيما تقدّمه من إثباتات شبيهة ببصمات الأصابع المخلّفة في مسرح الجريمة، أو شبيهة بأحمر الشفاه على ياقة قميص، لأنها تنجم عن أفعال حدثت أكثر من كونها عمليات مقصودة، لذا تبدو صحيحة ومعتمدة كدليل إثبات على ما حصل فعلاً. وبين التزييف والحقيقة، ثمة خيط رفيع يمكن اكتشافه حيناً، وغالباً قد لا يظهر، وهنا تكمن براعة صانع الصور المزيّفة الذي قد يحيك شبكة من الأكاذيب والإثارة، لكنه ربّما ينتهي أخيراً في الفخ، إذ قد يتعرّض لخطر أن تكتشف في معالجته بعض التناقضات الدقيقة يتم تلمّسها باختيار الدلائل البصرية في أجزاء الصورة. وفي سياق الحديث عن الزيف والحقيقة، نشرت إحدى المجلات الأجنبية في العام 1988 صورة مثيرة للدهشة تجمع رئيس وزراء إسرائيل حينذاك اسحاق شامير ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وفيها يبدو الأخير يُحيي بحرارة المسئول الإسرائيلي. فيما يرمقهما الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بنظرة استحسان. وبعد خمس سنوات، وتحديداً في سبتمبر 1993، نشرت صحف العالم صورة ضوئية تضاهي الأولى إثارة ودهشة، وتجمع رئيس وزراء إسرائيل اسحاق رابين وهو يُصافح على مضض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض باستضافة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي كان ينظر إليهما برضا الوالد وتفاؤله! الصورة الأخيرة سجلت حدثاً تاريخياً واقعياً وقدّمت برهاناً على أن السلام في الشرق الأوسط يكاد يكون قريب المنال، فيما الصورة التي سبقتها تاريخاً كناية عن تركيبة تخيّلية مزيّفة عُولجت بواسطة الكمبيوتر. وفي زمن الحروب، تلعب الصورة.. والتلفزيونية تحديداً دوراً خطيراً كونها تعمل على إيصال الحدث حياً متحركاً، يعيشه المتلقّي بكل جوارحه، وقد سمعنا مؤخراً الاتهامات المتبادلة بين أطراف الحرب في أفغانستان حول صحة التقارير المصوّرة، حيث يصرّ ناقلوها على حقيقتها وبأنها حديثة، فيما يردّ عليهم الطرف المتضرّر بأنها مفبركة أو قديمة. وأمثلة السياسة والحرب لها نظراؤها في الثقافة والفن والمجتمع، والكثيرون يعلمون أن دعاوى قضائية رفعت ضد من يقومون بتزييف الصور لفنانين مشاهير وشخصيات اجتماعية وسياسية بهدف التشويه والإساءة إلى مواقعهم لغايات وأهداف شتى. الصورة تحمل في طياتها خطرين في آن معاً، الأول يتجلّى في كشفها حقيقة الحدث وتعريف الرأي العام به، وهي في ذلك تصبح عدواً لدوداً لفاعله إذا كان شراً، أما خطرها الآخر فيكمن في تزييفها الذي يشوّه الحقائق ويضلّل الرأي العام. لكنها الصورة.. سنظل نتعامل معها لأنها اخترقت نسيج حياتنا اليومية، وإن كانت تُمنتج العالم كما تريد وتبتغي. email: Ismail_haidar@yahoo.com