600 شخص فقط هو العدد الذي سمح به المنظمون في الدوحة لمناهضي العولمة لحضور فعاليات المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية، ومع ذلك فقد احتشد هذا العدد مساء الأمس في بهو فندق الشيراتون الضيق والمحدود للتعبير عن موقفهم المناهض لفكرة العولمة ولكل البنود الواردة على جدول أعمال المؤتمر. وبالتأكيد فإن 600 شخص عدد محدود جداً قياساً بتلك الأعداد التي هزّت شوارع مدينة سياتل الأمريكية في العام الماضي، والتي قالت بصراحة رأيها في العولمة، وأوصلت رسالة شعوب كثيرة وشرائح عديدة حول سياسات تراها مجحفة بحق هذه الشرائح كونها ستزيد الهوة بين الأغنياء والفقراء، وستعمل على زيادة نسبة البطالة والعاطلين والمعوزين، في الوقت الذي ستكرّس فيه هيمنة المؤسسات والشركات الرأسمالية الضخمة. أغلب المناهضين الذين توافدوا على الدوحة حاملين شعارات المناهضة ضد العولمة جاءوا من دول غربية ومجتمعات مدنية، حيث أعطى هذا المؤشر دلالة كبيرة على مدى أهمية العمل بجدية في المجتمعات العربية والعالمثالثية لتكريس مبادئ حقوق الإنسان وخاصة حق التعبير عن الرأي، ذلك أن هؤلاء الـ 600 جاءوا يحملون حقاً مكتسباً بحكم قوانين بلادهم حيث لا يمكن لأحد أن يمنعهم من ممارسته في أي مكان! مفصل خطير في قضية العولمة ومناهضتها يتمثل في الوقوف المناهض ضد العولمة الثقافية والإعلامية، فهؤلاء المناهضون كما يقفون مع مصالحهم الخاصة بقوانين العمل، والعمالة، والأجور، وتوزيع الثروة، فإنهم يصطفون أيضاً وبقوة ضد كل ما يمكن أن يقود إلى إفقادهم لهويتهم، ولرؤيتهم الخاصة التي تمكّنهم من الحفاظ على هويتهم القومية في الوقت الذي يقنّنون فيه انفتاحهم على العالم دون أن يغامروا بالذوبان في ثقافته. وقضية الهوية القومية الذاتية للشعوب من الخطورة بحيث إن اتفاقيات (الجات) عندما قررت أن تكون حدود جميع الدول مفتوحة أمام سلع جميع الدول، توقفت أمام المنتج الثقافي والإعلامي بكثير من التأمل، ذلك أن هذا المنتج وإن عُومل كسلعة بالفعل يمكن أن تُباع وتشترى ويُعلن عنها، وتترتب عليها حقوق الملكية الفكرية، إلا أنها سلعة تتصل بتشكيل فكر ووجدان الشعوب وهنا تكمن الخطورة. الخطورة تكمن في أن المغامرة بفتح الحدود أمام هذه السلع الإعلامية الثقافية دون ضوابط، ودون انتقاء، ودون إعطاء الجماهير المتلقية والمستفيدة والمتضررة، أن تقول رأيها فيما تتلقى، كل هذا لا يخلق أزمة اقتصادية يخسر فيها تجار ويجوع فيها أطفال، إنما يصل الأمر إلى خطورة فقدان الشعوب لحقها في الحفاظ على هويتها الذاتية، هذا يعني ذوبان شعوب بأكملها وانتهائها بشكل مجحف جداً. من هنا يتظاهر الناس ضد العولمة.. ليس رفاهية وإنما كضرورة قصوى. وبالتأكيد فإن اختيار دولة قطر، لعقد المؤتمر هناك، لم يأت مصادفة أو عشوائياً، بل جاء اختياراً دقيقاً لتلافي أزمات وإحراجات كثيرة، خاصة في هذه المرحلة الحرجة، خاصة فيما يتعلق بتظاهرات مناهضي العولمة، لكن مع ذلك فإن وجودهم والسماح لتمثيلهم رمزياً وإعطائهم حق التعبير أمام الكاميرات يُعتبر في حد ذاته خطوة حضارية بكل المقاييس. Aisha@albayan.co.ae