يتفتق عقل الانسان بشكل يومي متواصل بأفكار مدهشة ومثيرة، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الانسان باحثا ومجرّبا ومدبّرا، يبحث عن تفاصيله الحياتية ويتواصل مع أفراحه وأتراحه، يجرب فيخطيء ويجرب فيصيب، وما بين الخطأ والصواب تصغر مسافة وتكبر اخرى، لكن في دنيا المصائب تنبت افكار أخرى سريعة، متواصلة ومتلاحقة يتم توظيفها من خلال ما يسمى بصدمة العقل واشتعال العاطفة.. ومن هنا، من منطلق الربح والتجارة، ومن مبدأ مصائب قوم عند قوم فوائد وجدت المتاجر والمصانع الامريكية والعالمية الاخرى ان افضل حلّ وأنجع وسيلة هو استثمار حادثة مركز التجارة الدولي بشكل تجاري يدرّ الملايين من الدولارات، وأصبح المشتبه به الأول هو من يجلب تلك الملايين. ولأن كل شيء للبيع في الولايات المتحدة الأمريكية بدءا من صورة الرئيس وانتهاء بكلبه فقد وجد رجال الدعاية والاعلان انفسهم أمام حدث مثير كل ما فيه يصرخ للبيع، ولهذا أثبت ابن لادن انه حاضر بشكل او بآخر في عقول وأفكار التجار والمصنعين ورجال الدعاية والاعلان مثلما هو متواجد بشكل مكثف في فضائيات العالم وفي وسائل الاعلام بأشكالها المختلفة، حيث حفّز هذا الرجل أصحاب المصانع والمتاجر على المتاجرة باسمه، عندما قامت بابتكار العديد من الافكار التي تتناسب بشكل او بآخر مع الوضع الذي يعيشه الأمريكيون، فاضافة الى القمصان المرسوم عليها العلم الأمريكي او تمثال الحرية او اي شعار وطني آخر استحدثت المحال التجارية بضائع جديدة من لوحات وكؤوس وألعاب عليها صورة ابن لادن وقد كتب الى جانبها «مطلوب للعدالة»! وبما ان كلا يغني على ليلاه، فقد وجد رجال الأعمال انفسهم في معمعة الحرب الدائرة ولكن عن طريق استغلال ما يدر عليهم الملايين، حيث بدأ هؤلاء ومعهم المصممون في ايجاد مصادر جديدة للإلهام وبدأوا فعلا في طرح اصناف متنوعة من السلع بعضها جديد وأخرى قديمة تم تطويرها لغرض جديد، والمثير ان بعض هذه السلع عبثية وأخرى يحتاجها الناس، ولكن أمام الخوف المسيطر على النفوس والذي تغذيه وسائل الاعلام المختلفة لا يترك شيء للصدفة. فقد ابتدع رجل أعمال من فلوريدا كما ذكرت «الواشنطن بوست» يمتلك مزرعة لتربية الأسماك طريقة جديدة لمكافحة الارهاب تتمثل في تحويل احواض السمك الى أوعية يمكن الاستفادة منها لفتح الرسائل البريدية المشكوك فيها، اذ يلقي الرسائل في الحوض ثم يغلقه ويستخدم قفازات لفتحها وما زال التجار يبتدعون افكارا جديدة للترويج، ففي هذه الايام تلتصق اعين الامريكيين يوميا باعلانات لم تكن موجودة من قبل، فهناك اعلان يقول: «إذا كنت تعيش في مبنى شاهق الارتفاع ما عليك إلا ان تطلبنا على هاتفنا المجاني او تزورنا فنحن على استعداد لتأمين حياتك المهددة! بإمكانك شراء مظلة للهبوط بمبلغ 795 دولارا فقط! وقد استطاعت شركة جون ريفرز المتخصصة في صناعة مظلات الهبوط ان تبيع كميات هائلة من المظلات بفضل أحداث الحادي عشر من سبتمبر! المثير في الأمر ان الصدفة لعبت دورا مهما في ذلك، فقد كانت فكرة بيع مظلات الهبوط لسكان المباني الشاهقة قد ظهرت قبل اشهر من تفجيرات 11 سبتمبر عندما سأل مدير في شركة التأمين جون ريفرز عما اذا كان بالامكان صنع مظلة هبوط للنجاة، وكان ريفرز قد صمم مثل هذه المظلة لكنه امتنع عن انتاجها خوفا من ان يتهمه الناس بأنه انتهازي. واذا ما اتجهنا الى اليابان سنجد ان الشركات هناك لم تغفل احداث 11 سبتمبر فقد انتجت احدى الشركات اليابانية صنفا من الصديريات النسائية يستخدم خيوطا ومشابك غير معدنية لا تلتقطها او لا تثير اجهزة التفتيش في المطارات. كما عملت شركة امريكية على تصنيع وانتاج غرف للتفتيش تكلفتها ملايين الدولارات لزبائنها من امثال شركات انتاج الأدوية والعقاقير، وآخر ما انتجته منضدة لفتح رسائل البريد، وتنوي الشركة تسويقها للشركات الكبرى التي تشعر بالقلق من استهدافها بهجمات الجمرة الخبيثة. ولأن الخوف هو الذي يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية فإن الشركات التي تنتج سلعا حتما تستجيب لهذا القلق العام، فعندما اعلنت شركة ماثيوس انها طورت حقيبة تضم معدات فحص منزلي للجمرة الخبيثة ارتفعت قيمة اسهمها التي لم تتجاوز خمسة سنتات امريكية الى دولارين. كما ارتفعت مع ازدياد موجة الخوف من الضربات الارهابية البيولوجية مبيعات المضاد الحيوي سيبرو الذي اجازته السلطات الأمريكية كعلاج مضاد للجمرة الخبيثة، وبالمقابل ارتفعت تكلفة الأمن حيث نشط هذا القطاع الذي اصبح للكثيرين مطلبا حيويا، فقد عززت شركات عدة وليس الجوية فقط اجراءاتها الأمنية عبر استخدام حراس او تركيب أجهزة مراقبة للبضائع بحثا عن متفجرات او اسلحة. وقد بدأت الشركات المصنعة للأنظمة الأمنية تنتعش من جديد في ظل زيادة الاجراءات الامنية التي ستكلف غاليا وتؤدي بالشركات التي تحتاج الى تلك الانظمة الى خفض انتاجها.. وحقيقة صدق المثل القديم الذي قال: مصائب قوم عند قوم فوائد.