بينما تخرج جماهير الشعب الفلسطيني بعشرات الالوف على نحو يكاد يكون يوميا في مواكب يغلب فيها الغضب على الحزن لتشييع شهيد او شهداء لقوا مصرعهم برصاص القوات الاسرائيلية تعمد عناصر الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية الى اعتقال مواطنين فلسطينيين اقتصوا لاخوتهم الشهداء. ومع تواتر هذا المشهد المؤسف يوما بعد يوم يبقى التساؤل المؤلم الذي يؤرق ضمائر السواد الاعظم من الفلسطينيين: الى متى تزداد الفجوة السياسية بين السلطة والشارع في الوقت في الوقت الذي يزداد الالتحام في اسرائيل بين القيادة وقطاعات الشعب، وبين قوات الأمن الاسرائيلية وجمهور المستوطنين؟. حتى في افضل الاحوال الدولية لن يستطيع الفلسطينيون قطع شوط على طريق التحرير طالما بقي التناقض بين القمة السياسية والقاعدة الجماهيرية .. فكيف يكون الحال في ظل ظرف دولي بل واقليمي على درجات متفاوتة من العداء للحقوق الفلسطينية المشروعة سماويا ووضعيا؟ بعد اكثر من عام على اندلاع الانتفاضة المسلحة يمكن القول انه بالرغم مما حققت المقاومة من اختراق ازال حاجز الخوف من الاسطورة الاسرائيلية فانها ابرزت الى حيز الوجود خلافا منهجيا خطيرا بين القيادة والشارع. ومهما استخدمت قيادة السلطة الفلسطينية من مبررات بلاغية لتسويغ نهجها المبني اساسا على افضلية عليا للعمل الدبلوماسي في مقابل نهج المقاومة المسلحة فان تحركها الدبلوماسي يظل عاجزا وعقيما طالما ظلت السلطة في حال تناقض اساسي وجوهري مع شعبها ـ على عكس السلطة الاسرائيلية التي تستمد قوتها من انسجامها مع الجمهور الاسرائيلي العام. ان المشهد الفلسطيني المتحرك امامنا يوميا يبعث على الاسف من وجهين: اولا، وحشية القوات الاسرائيلية المتمثلة في قتل البشر وتدمير المنازل وتجريف المزارع، وثانيا، السلبية العربية المحيطة بالمشهد، ولكن، مع عدم التقليل من خطورة هذين العاملين، يظل الخطر الاكبر المحدق بالمقاومة الشعبية نابعا من داخل البيت بتبني القيادة الفلسطينية سياسات ومناهج وممارسات تؤدي الى عرقلة مسار المقاومة وتعطيل اندفاعها وقدرتها على الابتكار النضالي. ان بوسع قيادات السلطة الفلسطينية ان يجادلوا في اللقاءات التلفزيونية لتبرير جدوى ما يقومون به من تحرك دبلوماسي بهدف إقناع الولايات المتحدة بالضغط على القيادة الاسرائيلية. ولكن الشعب الفلسطيني يتساءل: ماذا حققت القيادات الفلسطينية بعد ثماني سنوات من «أوسلو» سوى اصرار امريكي على وأد الانتفاضة باسم «وقف العنف»؟ ان على قيادة السلطة الفلسطينية ان تراجع نفسها ولن يتسنى لها ان تراجع نفسها قبل ان تقر بأن نهج استرضاء واشنطن كخط استراتيجي رئيسي للدبلوماسية الفلسطينية لم يصل بها الا الى طريق مسدود، وبأن ازدياد الفجوة السياسية بينها وبين كافة فصائل المقاومة لن يزيدها ـ اي السلطة ـ الا عجزا على عجز. لقد آن الأوان للسلطة الفلسطينية ان تقلب صفحة وتفتح صفحة لتخط على الصفحة الجديدة اجندة جديدة تكون اهم بنودها ـ كاستخلاص لتجربة أوسلو الفاشلة ـ كما يلي: ـ تحقيق وحدة وطنية كاملة وشاملة بين قيادة السلطة وفصائل المقاومة على اساس احياء «الميثاق الوطني الفلسطيني». ـ نقل القضية من أيدي واشنطن الى أيدي الأمم المتحدة مع العمل في الوقت نفسه على تطوير المقاومة المسلحة كما ونوعا. ـ نبذ الاسلوب الاسترضائي تجاه الحكومات العربية لمواجهتها بما هو مطلوب فلسطينيا لمتطلبات استمرار الكفاح المسلح. ولتأخذ القيادة الفلسطينية العبرة من العدو، فالجنرال شارون لايرى اي حل نهائي للصراع سوى الضرب دون تردد او رحمة، ليس هذا استنتاجا وإنما هو السياسة المعلنة رسميا والمطبقة عمليا.