بعد ما حدث في نيويورك وواشنطون في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، اعتقد البعض أن الولايات المتحدة ربما تحاول ان تتعلم شيئا جديدا باعتبار أن معظم المحللين السياسيين يرون أن هذه الأحداث جاءت كرد فعل تجاه السياسة الخارجية، التي كان ينتهجها البيت الأبيض وذراعه المتمثل في المخابرات المركزية بطول العالم وعرضه، وبشكل خاص في منطقتي الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية اللتين كانتا مسرحا للتنافس الأمريكي السوفييتي طوال فترة الحرب الباردة، وعانتا معا من أهوال تلك الحرب التي كانت باردة على ارض المتصارعين، وساخنة على أراضيهما. وتوقع الكثيرون أن دراسة ما حدث بهدوء ومعرفة الأسباب الكامنة يمكن أن يؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية، وأن حكومة الرئيس جورج بوش الابن يمكنها أن تتعلم الدرس وتحاول تصحيح المعوج من تلك السياسة، والاعتراف بحق الآخرين في اختيار النظام السياسي والاجتماعي الذي يلبي حاجاتهم دون تدخل من قوى خارجية. وربما كان التوقع أن تتخلى الولايات المتحدة عن سياساتها تجاه شعوب أمريكا اللاتينية أمرا شبه مسلم به، خاصة بعد أن بدا واضحا أن الطبقة السياسية والمثقفة أعلنت دون مواربة، عدا استثناءات قليلة، أن أحداث العنف التي وقعت في نيويورك وواشنطن كانت نتيجة طبيعية، بل ومتوقعة، وان الولايات المتحدة تجني حاليا ما زرعته في الماضي، لكن يبدو أن شيئا من هذا لم يحدث على الإطلاق، أو على الأقل لم يحدث حتى هذه اللحظة، أمريكا لم تتعلم الدرس ويبدو أنها مصرة على تجاهل الأسباب التي أدت إلى تلك الأحداث أو تفهم مغزاها بغض النظر عن مرتكبيها الذين لم تعلن عنهم. وكانت نيكاراجوا خلال الأسبوع الماضي مسرحا يؤكد تمسك البيت الأبيض بسياساته في التدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة، بغض النظر عن آثار هذا التدخل السلبية في استمرار العنف، وجلب المزيد من البؤس والفقر المدقع لتلك الشعوب التي فقدت طوال عقود ثرواتها الطبيعية لحساب الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات تحت مظلة الحماية التي توفرها الخطط الأمريكية من انقلابات عسكرية وانقلابات مضادة، وحروب أهلية أتت على الأخضر واليابس. فقد حان موعد انتخابات الرئاسية الثالثة في نيكاراجوا الأحد الماضي، بعد عشر سنوات من إجبار الحكومة الثورية الساندينية بقيادة دانييل اورتيجا على التخلي عن الحكم تحت ضغوط قوات الكونترا المتمردة على الثورة والمدعومة عسكريا وماليا وسياسيا وتسليحا من الولايات المتحدة، كطليعة لتمكين اليمين من العودة إلى الحكم في ظل شعارات الرفاهية التي لوحت بها أمام الجماهير خلال أول انتخابات جرت قبل عشر سنوات. لكن عشر سنوات من حكم أصدقاء أمريكا كانت نتيجتها مزيدا من الكوارث سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، عشر سنوات ديمقراطية لم تنتج سوى أزمة اقتصادية حادة وبطالة تكاد تترك نصف المواطنين بلا عمل، وتركيز الثروة بين أيدي عدد من التجار والمرتشين الذين لا يمثلون سوى واحد في المائة فقط من مجموع سكان البلاد، بينما يعيش الباقي على اقل من دولار واحد في اليوم، وتحول خلالها الشعب النيكاراجوي إلى مهاجرين في الدول المجاورة بحثا عن لقمة الخبز. يضاف إلى هذه الأزمة الاقتصادية أزمة طبيعية تتراوح ما بين خسارة المحاصيل الزراعية بسبب الجفاف المطلق أو بسبب العواصف التي تتخذ العديد من الأسماء من أول النينيو إلى ميتش وحتى ميتشل التي ضربت وسط أمريكا اللاتينية خلال السنوات الخمس الماضية. وفساد سياسي ناتج عن جشع الحزب الليبرالي اليميني بقيادة الرئيس الحالي ارنولدو أليمان الذي تشير العديد من المنظمات الدولية إلى انه وراء كل الفساد السياسي والاقتصادي الذي يضرب البلاد، بل وصل به الجشع إلى حد التجارة في المعونات الدولية التي كانت تصل إلى نيكاراجوا لإنقاذ الفقراء من الموت المحقق بعد الكوارث الطبيعية التي حلت بها. في ظل هذا الوضع كان واضحا أن الزعيم السانديني دانييل اورتيجا يمتلك لأول مرة اسهما حقيقية للفوز بمنصب الرئاسة في نيكاراجوا، ويعود بالحزب الثوري السانديني إلى الحكم من خلال انتخابات عامة ديمقراطية كما كانت تطلب دائما الولايات المتحدة. وربما كان وراء هذا التفاؤل بإمكانية عودة اروتيجا من جديد إلى حكم نيكاراجوا اعتقاد البعض أن انشغال الولايات المتحدة بحربها ضد الإرهاب العالمي قد يجعلها لا تنتبه إلى الوضع الجديد الناتج عن عودة اليسار إلى الحكم في بلد من البلدان التي تعتبرها فناءها الخلفي. لكن الواقع يؤكد أن الولايات المتحدة لا تغفل أبدا عن ما يجري في أي من مناطق نفوذها التقليدية، وأنها لن تسمح مطلقا بأي تغير سياسي في أي مكان لا يخدم مصالحها الخاصة، بغض النظر عن كون هذا التغيير السياسي ناتج عن عمل ديمقراطي أو غير ديمقراطي، وأنها على استعداد لفتح جبهات جديدة في معاركها مع من تعتقد انهم يمثلون خطرا على مصالحها. بمجرد أن بدأت استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال فوز الزعيم الساندني في هذه الانتخابات باعتباره المنقذ للفقراء في نيكاراجوا بعد أن جربوا النار التي اكتووا بها من فترة حكم أصدقاء أمريكا حتى بدأت ماكينة السياسة في البنتاجون في الإعداد لخطط جهنمية تحول بين أورتيجا والرئاسة في نيكاراجوا، سواء من خلال تكثيف الدعاية المضادة، أو من خلال عمليات التخويف من العودة مجددا إلى زمن الحرب الأهلية بين قوات الثورة الساندينية وقوات الكونترا المدعومة من الولايات المتحدة. يبدو الموقف الأمريكي متسقا مع سياساتها القديمة في الماضي، وأيضا من وجهة نظر البعض يبدو متسقا مع سياساتها في الوقت الحاضر، وربما متسقا مع سياساتها المستقبلية، لأنها ترفض أن تستوعب الدرس من أحداث سبتمبر الماضي، أو على الأقل لا تزال تؤمن انه بإمكانها أن تظل مهيمنة على العالم من خلال استخدام القوة على الرغم من أن تلك الأحداث أثبتت أن لا أحد بمأمن من أن تمسه النار، وأن الفيل يمكن أن تقتله عقرب. لكن الحقيقة أيضا أن السبب في الهزيمة التي لحقت بدانييل اورتيجا للمرة الثالثة في انتخابات الرئاسة الأحد الماضي ليس موقف الولايات المتحدة منه فقط، ولا تأتي فقط نتيجة عمليات التخويف التي حاولت من خلالها أن تلقي الرعب في قلوب المواطنين في نيكاراجوا من احتمال عودة الحرب الأهلية من جديد، الزعيم السانديني يتحمل جزءا كبيرا من هزيمته الثالثة على التوالي، بسب الأخطاء التي ارتكبها خلال صراعه على العودة إلى الحكم. ربما من أول الأخطاء التي وقع فيها إصراره على أن يكون رأس الثورة الساندينية داخل أو خارج الحكم بشكل مطلق مما يعطي انطباعا بأنه لا يزال يعيش مرحلة الشرعية الثورية التي فقدها بقبوله التخلي عن السلاح أمام الضغوط الأمريكية، وهذا يشكك في إمكانية ان يكون رئيسا ديمقراطيا حقيقيا. من ناحية ثانية يعتبر مسئولا عن جانب كبير من الفساد السياسي الذي مارسته حكومات الحزب الليبرالي خلال السنوات العشر الماضية، خاصة في ظل حكم الرئيس الأخير ارنولدو أليمان، لأنه لم يلعب دور المعارض الحقيقي في البرلمان، ولم يحاول أن يكشف عن هذا الفساد ويحاربه كما كان متوقعا منه باعتباره الزعيم الرئيسي للمعارضة. وكانت نتيجة هذا الموقف غير المبرر أن عددا كبيرا من مؤيدي الثورة من السياسيين والمثقفين اليساريين تخلوا عن الحزب السانديني، وقام بعضهم بتكوين تشكيلات حزبية معارضة على يسار حزب الثورة كما فعل سيرخيو راميريث الذي كان نائبا لدانييل اورتيجا خلال فترة رئاسته لنيكاراجوا الساندينية. أو كما فعل عدد من المثقفين اليساريين على رأسهم الشاعر المعروف أرنستو كاردينيال الذي أصدر مع عدد من الكتاب والفنانين والمثقفين البارزين بيانا يدعو فيه إلى مقاطعة هذه الانتخابات باعتبارها تجري بين يمين فاسد ويسار باع نفسه للشيطان. بل انه، في محاولته إقناع الولايات المتحدة بديمقراطيته، وقع دانييل اورتيجا على اتفاقيات عديدة مع الرئيس ارنولدو أليمان لتشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات وفقا للمواصفات التي طلبها اليمين، مما يجعل إمكانية تزييفها أمرا واردا، وتمكن الرئيس الحالي من العودة إلى المسرح السياسي كعضو في البرلمان دون المرور بصناديق الاقتراع، أي منحه الحصانة البرلمانية التي تمنع محاكمته خلال السنوات الخمس المقبلة عن الفساد الذي ارتكبه خلال فترة الرئاسة التي انتهت بإجراء هذه الانتخابات الأحد الماضي. وأيضا تحالف دانييل اورتيجا مع الحكومة اليمينية لوضع تشكيل الهيئة القضائية العليا التي تسيطر عليها عناصر يمنية معروفة بفسادها، وموالية للرئيس الحالي أكثر من ولائها للوطن. وأيضا تحالف علنا مع ستيدمان فاجوث زعيم قوات الكونترا خلال الحرب الأهلية والسياسية اليمينية ميريام ارجويو، ووعدهما بمناصب وزارية مهمة إذا فاز في هذه الانتخابات، وهذا فسره المراقبون على أنه محاولة من جانب اورتيجا إقناع الولايات المتحدة بأنه على استعداد لقبول نفوذها في المنطقة. في المقابل كان هناك المرشح الآخر «انريكي بولانيوس» الذي كان يحتل منصب نائب الرئيس ارنولدو اليمان، وهو رجل أعمال عجوز في الخامسة والسبعين من عمره، معروف بعدم رضائه إلى حد ما عن الفساد الذي كان يمارسه رئيسه في الحكومة، ولكنه متهم بأنه لم يفعل أي شئ لمحاربة هذا الفساد، إلا أنه وعد الناخبين بأنه في حال توليه الحكم سيقود حملة واسعة ضد الفساد المستشري في كافة دوائر الدولة. ما بين تردد دانييل اورتيجا وتراجعه عن مواقفه الأيدلوجية استرضاء للولايات المتحدة، وبين انريكي بولانيوس المسئول جزئيا عن فساد الحكومة الحالية قرر الناخبون في نيكاراجوا التصويت لصالح الثاني الذي لا يبدو أنه يستطيع تحقيق أي من أهدافه الانتخابية المعلنة في ظل القوة السياسية المسيطرة من الخارج، والمتمثلة في الشركات الأمريكية ومظلتها العسكرية والسياسية التي يحرك خيوطها البيت الأبيض، والقوة السياسية المحلية المتمثلة في تحالف الرئيس ارنولدو أليمان ودانييل أورتيجا. ويعقد المراقبون الأمل على هذه الهزيمة الانتخابية الجديدة لإجبار دانييل اورتيجا على ترك الحياة السياسية وفتح الباب أمام أجيال جديدة من الحزب السانديني اليساري للمشاركة بشكل انشط في الحياة السياسية. لكنهم بعد ما حدث خلال الأسبوع الماضي في الانتخابات النيكاراجوية لا يعتقدون أن الولايات المتحدة على استعداد للتخلي عن سياساتها الاستعمارية، وأنه على الرغم من «إنذار» سبتمبر ستظل عين البيت الأبيض لا تغفل عن أمريكا اللاتينية. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com