السلطة الوطنية الفلسطينية لا تبذل ما يكفي من جهد في قمع «الارهابيين» هذا ما ظللنا نسمعه من حين لآخر من تل أبيب وواشنطن لكن هذه المرة يأتي النداء من موسكو. وروسيا مابعد 11 سبتمبر، هي ملمح واحد من ملامح صورة عالم الغد القريب الذي تتشكل خريطته الجديدة حاليا في عهد «مكافحة الارهاب العالمي». كان فلاديمير بوتين اول رئيس في العالم يرفع سماعة الهاتف ليتحدث معزيا الى الرئيس جورج بوش بعد ساعتين فقط من الهجوم الكبير على البرجين والبنتاجون يوم الثلاثاء 11 سبتمبر وواعدا بالتضامن.عندئذ لم يكن للعالم ان يعرف ان هذه المكالمة الهاتفية بين موسكو وواشنطن دخلت التاريخ كبداية لعلاقة تحالف استراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة .. وهو تحالف موجه بالضرورة ضد «الارهاب» وخلال الاتصالات اللاحقة وما انطوت عليه من مساومات سرية لمدى اسابيع اكتملت صفقة تبين ان احد بنودها تسليم روسي بأن الانتفاضة الفلسطينية ظاهرة ارهابية مقابل تسليم امريكي بأن ثورة شعب الشيشان ينطبق عليها النعت نفسه. وقبل بضعة ايام أسفرت موسكو عن وجهها الجديد عندما اصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا حذرت فيه السلطة الفلسطينية من «السلبية في قمع الارهابيين». ويقول البيان تفصيلا: «ان السلبية والتردد في قمع مجرمين لا يمكن ان يبررا بأي شكل من الاشكال، نحن ندعو السلطة الفلسطينية الى اتخاذ اجراءات فعالة ضد الارهابيين». وهكذا سوف نرى اسرائيل تكتسب روسيا كحليف اضافي يتبنى الاجندة الامريكية الاسرائيلية لمكافحة الارهاب. على ان التغيير قد لايكون بهذه البساطة. فالمتغير الاساسي الذي سوف يحدد ملامح عالم الغد هو المصير النهائي الذي سوف تنتهي اليه الحرب الامريكية الدائرة في افغانستان، انتصارا او هزيمة. اذا خرجت الولايات المتحدة من المسرح القتالي الافغاني منتصرة باقصاء طالبان من السلطة والقضاء عليها كقوة قتالية مع تنظيم «القاعدة» فان نشوة الانتصار الامريكي سوف تغري واشنطن بتدشين المرحلة الثانية من حملة مكافحة الارهاب وعلى رأس قائمة المرحلة الثانية العراق و «حزب الله» اللبناني، فكيف تتصرف روسيا حينئذ؟ اي هجوم امريكي مستقبلي ضد العراق وتنظيم «حزب الله» اللبناني سوف يتسبب في حرج للدبلوماسية الروسية لأن لموسكو علاقة تحالفية مصلحية مع كل من العراق وايران التي تدعم «حزب الله» وعندما يقع الهجوم الامريكي فانه سوف يتعين على روسيا ان تقرر ما اذا كانت تقبل بالتضحية بمصالحها الاقتصادية الحيوية مع العراق وايران او احدهما. هذا اذا افترضنا مسبقا ان الولايات المتحدة ستكون على استعداد لتعويض روسيا عن خسائرها اذا ما اختارت موسكو تأييد الضربات الامريكية او اتخاذ موقف الحياد السلبي. ولكن ماذا لو خرجت الولايات المتحدة من افغانستان تجرجر اذيال هزيمة حاسمة؟ اغلب الظن ان واشنطن سوف تصرف النظر عن «المرحلة الثانية» او تلجأ في محاولة لالغاء الأثر الدعائي للهزيمة داخل الولايات المتحدة ـ الى توجيه ضربة الى هدف اصغر نسبيا ـ كأن تضرب الصومال مثلا. على ان تداعيات الهزيمة الامريكية في هذه الحالة ربما تدفع بروسيا الى مواجهة وضع جديد فانسحاب الولايات المتحدة من افغانستان وهي مهزومة يعني بطبيعة الحال انتصار طالبان واندحار قوات المعارضة الافغانية الشمالية المسنودة روسياً. هنا سوف تتجدد معنويات الحركات الاسلامية المسلحة في دول آسيا الوسطى الثلاث المتاخمة للاراضي الافغانية ـ طاجكستان واوزبكستان وتركمانستان لتركب موجة الانتصار الطالباني لتجدد القتال بدعم قوات طالبان نفسها ضد الانظمة الحاكمة في الدول الثلاث، وضمنيا ضد النفوذ الروسي هناك. وفي كل الاحوال سوف تكون صورة عالم الغد مختلفة.