منبر الجمعة من اقدم وسائل الاعلام التي عرفتها الأمة، يملك ان يصنع الرأي، وينير للأمة أمور دينها وسير دنياها. منه تعلمت الاجيال شئون الاقتصاد وفهمت السياسة، وتحمست للحرب وأعلنت انها امة سلام وأمان، وآمنت ان الدين الحياة، وانه بقدر فهمها للاسلام تستطيع ان تصنع الحضارة وتبني الدنيا وتحكم العالم. كان المنبر اهم واعظم وسيلة استخدمتها هذه الامة، من المنبر كان امير المؤمنين يحكم ويصدر أوامره، تسمعه الأندلس وهو في بغداد وتهب له الشام وما جاورها، ويرتعد اعداء الدين في شتى بقاع الدنيا عندما يرتفع صوت المنبر. هذا عندما كان المنبر عاليا قويا في صوته ورسالته، وعندما تضعضعت الأمة وأصابها الهوان في كل جسمها، كان المنبر قد سبقها وصمت عن كثير من قضايا الدين وهموم الامة. كان صوته المتواضع رسالة لانكسار الأمة، ولو عملت وقتها على معالجة الانكسار في رفعة شأن المنبر، لتغير الحال كثيرا، الذي حدث ان الامة انهزمت، وضيعت راية الحضارة التي حكمت بها العالم، ورضيت ان تتنازل عن القيادة والريادة وان تكون في اي موقع آخر، حتى لو كان في منزلة الذيل! لا خيار لها في اختيار الموقع او اي شأن آخر. وتحول الجامع الذي كان الخليفة يحكم من خلاله الأمة ويسير امورها، الى دار للعبادة، يؤدي فيه المؤمنون الصالحون صلواتهم الخمس، وهؤلاء المؤمنون المواظبون ليسوا سوى «شواب» او فئة قليلة تحرص على ان تزور المسجد خمس مرات في اليوم الواحد، والغالبية لا تعرفه الا يوم الجمعة والبقية لا تعرفه أبدا. واقتصر حديث عيد المسلمين الاسبوعي الى خطبة عصماء صماء في التخويف بالآخرة والتذكير بالسلف الصالح ـ وهو حديث حسن لو تغيرت لغته ومفرداته بدل تكراره بصورته التقليدية ـ ما عادت خطبة الجمعة تهتم بأمر دنيا المسلمين، ما عاد فيها رأي او قرار. خفت صوتها كثيرا، صار يرتفع وتكون خطبة مؤثرة ومسموعة عندما يراد لها ذلك في وضع سياسي مثلا ضمن هدف او رسالة يريد ان يقولها صانع القرار، فيوليها كما في قاموس الدبلوماسية الى متحدث بالانابة. وغالبا يفهم الناس مقاصد الخطبة وما خلفها، لكنهم يتأثرون ويفرحون وينشرون الخطبة، ويا للعجب تصل الرسالة الى بقاع الامة المتناثرة المتفرقة كعهدها عندما كانت الامة قوية ومجتمعة، والخطبة وصية ملزمة ورسالة مهمة الى الجميع. جمع قليلة في هذا الزمان سمعنا فيها خطبا تحمل حال هم الامة ويكون فيها صوت الرسالة واضحا صادقا قويا. صور.. من مساجد الله اتذكر في أمر الجمعة والمسجد، انني زرت اسطنبول قبل اكثر من خمس سنوات وذهبت اصلي الجمعة في اعظم وأضخم مساجدها وهو المسجد الازرق. الصدمة انه في مدينة العشرة ملايين ساكن الذين منهم 98% ينتمون الى الاسلام، لم يكن عدد المصلين يتجاوز الثلاثة صفوف من بين عشرات لا يقف عليها احد، وانه لم تكن هناك خطبة لا بالعربي ولا التركي في يوم الجمعة، انما صلاة وتسابيح. جمعة غريبة في بلد كان يوما ما عاصمة للخلافة الاسلامية. وزرت مرة قبل ما يزيد على عشر سنوات مدينة بغداد بعد انتهاء حربها الأولى مع ايران، وحانت الجمعة، فذهبت مع زميل الى واحد من اشهر مساجدها، لم يكن فيه فسحة لقدم رغم اتساعه وضخامة بنيانه، له منبر عال كأنه من الآثار الخالدة في هيكلة منابر المساجد القديمة، وصعد المنبر شيخ يشبه في صورته الأئمة الذين نقرأ ملامحهم في كتب التاريخ من حيث الملبس والموضوع. لم يقل جديدا ولم تشعرني خطبته ان لها موضوعا ورسالة، شدني صوت قطع سكينة المصلين، رجل يبكي، وكلما واصل الخطيب حديثه ازداد بكاء الرجل وارتفع نحيبه. وتزايد عدد البكائين فأصبحوا اثنين وثلاثة وأكثر، وتحول الصوت المنخفض الى عويل سمعه كل من في المسجد، وأخذ الخطيب يصعّد ويزيد في خطبته ثم يتوقف من كثرة البكاء وارتفاع الضوضاء. استغربت ماذا في الخطبة لم افهمه، ولماذا كثرة البكاء عند مثل هذا الشعب الخارج من الحرب والموت والموصوف في التاريخ بالجلافة والعناد والتمرد؟ وحتى اليوم لم اعرف لماذا كانوا يبكون؟! في دولة عربية اخرى، حضرت خطبة الجمعة فإذا بأحد المصلين يقف وسط المسجد والخطيب على المنبر يتحدث، هذا المصلي قاطع الخطيب وخاطب المصلين ان عليهم ألا يسمعوا له وان عليه ان ينزل من هذا المكان المبارك، وهاجم الخطيب الذي كان يتحدث عن ضرورة الاحتفال «بالمولد». اما حال الخطيب فكأنه لم يسمع شيئا واصل حديثه ولم يعلق، وانسحب المصلي وهو يشتم الامام وتبعته مجموعة. وقبل اسبوعين هنا عندنا، وفي احد المساجد ايضا، كان الخطيب يقرأ خطبته من ورقة لم يرفع عينيه عنها ابدا، حتى اثناء الدعاء وما ان ختمها وقام للصلاة، حتى وقف شيخ من المصلين وأمسك الميكرفون، ليصحح موضوع الخطبة ويقول للجمهور ان الارهاب هناك في امريكا وفي مختلف دول العالم وليس عندنا كما تقول الخطبة، اننا بلد امان وحق وطمأنينة هكذا كنا ولا نزال. كانت رسالة المصلي الذي علق على الخطبة، ان على كاتب الخطبة ـ اذا كان لابد من الكتابة ـ مهمة ان يفهم دور الخطبة ومغزى الرسالة التي يريد ان يوصلها الى الناس، ليس مجرد كلمات مختارة موزونة، قد تحمل كل شيء الا المعنى المراد. وماذا عن الخطيب؟ ومع تحول الخطبة في تاريخ الامة الاسلامية تبدل ايضا الخطيب فما عادت الشخصية التي تقف على المنبر تحمل سمات حاكم او عالم يمتاز عن الناس بمواصفات انه افضلهم علما او فقها او فصاحة. صار في هذا الزمان اي شخص يمكن ان يقف في هذا المقام، فتجد انصاف ائمة ـ في البلاغة والتبصر بأمور الدين والحياة ـ يقومون بالخطبة. قد تجد اعجميا في بلاد عربية يقف على المنبر يشرح لهم امور دينهم ويقرأ عليهم بلسان «مكسّر». فماذا سيقول هذا، وكيف سيفهم هؤلاء؟! متى تعود للمنبر مكانته، ونشعر ان يوم الجمعة اكثر منه يوم عطلة وفسحة ونوم، وان حديث الخطبة اهم درس ننتظره ونتحدث فيه، وانه يضيف لنا وانه مهم في حياتنا. سيحدث ذلك عندما تعود الامة، اما متى تعود الامة....؟!!