راقب سائق السيارة التي بجانبك، ماذا يفعل؟ اذا كان مراهقا بشعر يشبه الاسلاك المعدنية فانه يستمع الى اغنية «دلع الحبايب» ويميل بمقوده ذات اليمين والشمال ويكبس بريك حتى يتوافق صرير الدواليب مع شجن الحبايب ودلعهم. لكن اذا كانت فتاة تقود السيارة التي بجانبك فلن تكتشف حقيقة عينيها لانها تضع نظارة سوداء باطار ذهبي تحجب عنهما ضوء الشمس وحرارتها وتغلق باحكام نوافذ سيارتها حتى تشعر ببرودة الطقس وهذا سوف يساعدها كثيرا على التفكير في حياة دافئة، لولا بعض الثقة الزائدة بالنفس التي تقطر من انفها والتي أوصلتها حد الغرور لكان هناك طفلان في المقعد الخلفي لسيارتها يدوسان على الفرش الانيق ويلصقان وجهيهما بالزجاج ويغبشانه بأنفاسهما ولا بأس ببعض الحلوى التي دبقت اصابعهما وراحا يرسمان بها اشكالا بيكاسوية يعجز سدنة النقد التكعيبي عن تفسيرها. اما اذا كان سائق السيارة الملاصقة رجلا رصينا، فيه وقار السن فستعرف انه متوجه حتما الى معرض الكتاب ليشتري مؤلفا آخر عن اصول الادارة الجيدة او كيف تصبح مليونيرا في ستة اشهر وستتعزز فكرتك عنه بعدما تلقي نظرة الى مقعد السيارة الخلفي لتجد اكداسا من الكتب التي لا مكان لها في بيته الصغير فراح يستثمر صندوق سيارته ومقعدها الخلفي لهذا الغرض تاركا المجال لزوجته ان تحول صالة الشقة الى حديقة منزلية على اعتبار ان الكتب تجلب الغبار والعث والقوارض ولها رائحة غير لطيفة، في حين ان النباتات جميلة المنظر وتطري البصر ولا تكلف عملية تكاثرها سوى قص وزرع حتى يصبح المكان شبيها بمشاتل البلدية. وكلما طالت فترة الازدحام كلما مر بجانبك شخص مختلف يقود سيارة مختلفة الشكل والحجم وليس لك سوى ان تطلق خيالك في شأن سائقها وتصنفه في خانة تناسبه فاذا كان سائق سيارة اجرة فان سلوكه سيتوافق مع ثقافة هذه المهنة حيث سيعدل المرآة وينظر فيها، ثم يفتح الباب ويمد رأسه مائلا بجسمه الى الامام والخلف ليتفقد الدواليب، او اذا كان هناك متسع من الوقت سينزل من سيارته ويفتح الصندوق ويعيد اغلاقه بحركة مدربة دون ان يأخذ منه شيئا، ويمكنه خلال فترة الانتظار تلك ان يتناول من تحت كرسيه زجاجة ماء ملفوفة ببعض الخرق المبلولة ويكرعها، ثم يرطب وجهه ببعض القطرات ويمسح رأسه بأصابعه وفمه بكُم زيه الموحد، بعدها يتناول مشطا ويغرزه في شعره الى اليمين ثم الى الاعلى ويمرره بين شاربيه بحركتين متوازنتين وكذلك يفعل بلحيته الطويلة ويسترق نظرة الى مرآته المعدلة وكأنه يشعر بالرضا عن شكله وفي حالات خاصة .. خاصة جدا ينظر يمينا ثم يسارا ليتأكد ان لا أحد يراقبه يفتح الباب ويلصق بالاسفلت بصقة كبيرة ثم يعود الى وضعه البشري وكأن شيئا لم يكن! وستتوالى المشاهد .. السيارات بسائقيها والحافلات بركابها، وانت تراقب على مضض والقلق يأكلك من الداخل متى سينتهي هذا الفصل من مسرحية السيارة المعطلة التي توقفت فجأة وكأن لا حياة كانت فيها منذ قليل، بانتظار ان يأتي ابو العز لانقاذ الموقف. ابو العز ليس ميكانيكيا، انه صديق ستتعطل سيارته غدا في نفس المكان ليكمل الفصل الثاني من مسرحية السيارة المعطلة حيث سيمر المتفرجون، سيارات صغيرة ، سيارات كبيرة، حافلات بركابها، دراجات نارية، دراجات عادية، سابلة يعبرون الشارع من منطقة ممنوعة مستفيدين من الزحام الذي سببته السيارة المتوقفة، وعندما تطلب منهم دفع السيارة: رفيق ممكن يساوي مساعدة؟ سيرد عليك بخبرة مدربة: جيب عشرة درهم. وستقود رائحة النقود قطيعا منهم لمساعدتك دون جدوى، لان «السيارة مش عم تمشي بدها حدا يدفشها دفشة» كما تقول فيروز، لكن الدفش لم ينفع، لان العطار لا يصلح ما افسده الدهر. E.mail: H-s-D@ maktoob.com