بما أننا نستمتع بأيام يبسط فيها الكتاب ظلاله على مساحة لا بأس بها من حياتنا، ضمن معرض الشارقة الدولي للكتاب، فانني ابقى اليوم أيضا مع كتاب (لكل مقال.. ازمة) لكاتبه الصحفي المصري الراحل مصطفى أمين، حيث نتجول معه في عهود سياسية مختلفة، اختلفت في كل التفاصيل، ولكنها اتفقت على الغاء الكثير من آرائه وشطب العديد من مقالاته لاعتبارات مختلفة!! وكأناس نمارس الكتابة ـ قدراً واختياراً ـ نعلم بأن شطب المقال ربما يأتي أحيانا في صالح الكاتب، وأحيانا في صالح الصحيفة، وأحيانا كثيرة لصالح معطيات اجتماعية وسياسية يقدرها صاحب القرار، وقد لا يكون لدى الكاتب معرفة دقيقة بها. لكننا ونحن نمارس الكتابة نجد ان إلغاء الرأي لا يمارس على الكاتب فقط، فحتى الموظف والعامل وأحيانا الطالب و.. يمنعون من ابداء رأيهم فيما يحدث في مؤسساتهم وأماكن عملهم، وغالباً ما يأتي هذا المنع من قبل الرؤساء، وغالباً ما يكون بالتهديد والوعيد والضغوطات المختلفة!! هذا المنع لا يصب إلا في صالح شيوع الخطأ، وتربية أفراد موالين للأخطاء والتجاوزات خوفاً على وظائفهم وأرزاقهم، أما ما ينتج من الصمت والسكوت على الخطأ من تدمير وتخريب وتخلف فلا يلتفت اليه أحد. يحكي مصطفى امين في كتابه أنه في اوائل الستينيات بدأت في مصر نغمة عزل (أعداء الشعب) وبدأت تعد قوائم بأسماء هؤلاء (الاعداء) وبدأ كل صاحب نفوذ يضع قائمة مملوءة بأسماء خصومه والذين لا يحبهم والذين يستثقل ظلهم! وكاد العدد يصل إلى بضعة آلاف، فكتب مقالاً جعل عنوانه «من هم أعداء الشعب». قال مصطفى امين في المقال: «يطالبون الشعب اليوم بعزل أعدائه ليمنعهم من الوصول الى مقاعد القيادة، فمن هم اعداء الشعب؟» ومضى الكاتب يفند رأيه ويعطي عليه الأدلة والأمثلة المقنعة التي تنفي تهمة العداوة للشعب عن كثيرين ناضلوا وجاهدوا وأفنوا اعمارهم في خدمة الشعب والوطن، في الوقت الذي تطالب القوائم المعدة بمعاقبتهم ونبذهم وحرمانهم من حقوقهم السياسية. ثم انهى مقالته بهذه العبارة: «ان هذا ليس دفاعاً عن اعداء الشعب، انما هو دفاع عن الشعب. فيوم يصبح هذا الشعب قوياً حراً، فانه سيكون قادراً على أن يحمي مكاسبه بنفسه» وكانت النتيجة ان شطب الرقيب المقال!! وقد حاول مصطفى امين ان يقنع مدير الرقابة بأن يحذف السطور التي لا يريدها ويبقي الباقي، لكنه اجابه بأن الأوامر لديه هي شطب المقال من أوله إلى آخره!! عندها لم يجد الكاتب بداً من الاتصال بأكبر المسئولين شأناً في البلاد حيث أخبره بما حدث، فسأله: وماذا تريد من هذا المقال؟ اذا كنت تريد كتابة رأيك فقد كتبته، واذا كنت تريد أن يصل الى المسئولين، فأنا (المسئولين) وقد عرفت رأيك وهذا يكفي!! وأصر على حذف المقال! هذه المعاناة يجدها كل كاتب، وكل صاحب رأي، وقد نتفق مع الشطب والحذف اذا كان في المكتوب اضرار بمصلحة المجتمع أو هجوم على سياسات تصب في صالح البلد أو قد تثير فتنا وخلافات وانشقاقات، المجتمع في غنى عنها، لكن الذي يحدث أن يمنع الكاتب أحياناً من ابداء رأي في أمور تتعلق بصالح المجتمع وصالح العمل وصالح الافراد، وقد يتم هذا المنع بشكل مباشر، وأحياناً بممارسة نوع من الارهاب والتخويف والتهديد!! وكل هذا لا يصب في صالح أحد سوى مصلحة قلة قليلة منتفعة ببقاء الاخطاء دون نقد أو اعتراض. Aisha@albayan.co.ae