بدأت الحرب ولكن من يستطيع أن يجزم بموعد انتهائها؟ والسؤال الأهم هو: متى انتهت الحرب في هذه المنطقة التي تعيش في حالة حرب مستمرة زهاء ما يزيد على نصف قرن؟ إنه شئ يشبه طاعونا أصاب المنطقة، ولا يبدو أن هناك مصلا أو دواء للوقاية أو العلاج. واذا كانت لكل حرب خصائصها، مثل أسبابها ومقدماتها وأسلوب ادارتها ونتائجها ثم آثارها، فإنه من المتعين أن تكون لتلك الحرب الجديدة خصائصها، فهناك مثلا الأسباب، أسباب معلنة وأخرى غير معلنة، والسبب المعلن هذه المرة هو الهجوم الذي تم على مدينتي نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو هجوم أصاب عاصمتين في نفس الوقت، الأولى: عاصمة المال، والثانية: عاصمة القوة، وهو إجتراء غير عادي على أهم عناصر القوة الشاملة المال، والقوة العسكرية ، ومن الأسباب المعلنة أيضا مقاومة الارهاب الدولي، وكذلك حماية الحرية والحضارة الغربية. ومن المؤكد أن هناك أسبابا غير معلنة، مثل نتائج التحقيقات الأمريكية غير المعلنة، ولعل ما يمكن استقراؤه من هذه الأسباب، هو استعادة الثقة والهيبة وتأكيد الهيمنة الأمريكية على العالم، بحيث لا تكون هناك أوهام لدى أي طرف بالنسبة لهذه الهيمنة وكونها مطلقة من حيث النطاق، ومطلقة من حيث القيود. ويرتبط وصف الحرب العادلة بمدى عدالة الأسباب التي أدت اليها، إلا أن الفقه الدولي قد طور ذلك في إطار ما يسمى بـ الشرعية الدولية ، بحيث حظرت على الدول استخدام القوة أو التهديد بها في علاقاتها الدولية، وفي هذا الصدد حدد ميثاق الأمم المتحدة السبل التي يمكن اتخاذها بالنسبة للنزاعات الدولية. وإذا كانت إحدى الجماعات قد ثبت ارتكابها ـ بالأدلة القاطعة ـ تلك الأعمال، فهي أولا لا ينطبق عليها وصف الشخصية الدولية، وهي لا تختلف عن أي جماعة أخرى ترتكب أعمالا مؤثمة تخضع للقوانين المطبقة في كل بلد على حدة، فمن البديهي أن وجود عصابة معينة في دولة ما، لا يجعل هذه الدولة مسئولة عن الجرائم التي تقترفها تلك العصابة في دولة أخرى إلا اذا ثبت بالدليل القاطع تورط الدولة بشكل كامل في تلك الجرائم، وإلا أصبحت أمريكا مثلا مسئولة عن الجرائم التي يرتكبها مواطنوها في بلاد أخرى. وقد كانت أمريكا والدول الغربية ترفض بعناد تسليم مواطنين من بلاد أخرى سبق أن قاموا بارتكاب جرائم قتل وتدمير، وصدرت في حقهم أحكام بناء على دلائل قاطعة لا يرقى اليها الشك، بحجج كثيرة منها مثلا أنها منحت هؤلاء حق اللجوء السياسي، أو لشكوكها فيما يتعلق بحقوق الانسان، لدرجة أن ذلك قد عزز بعض الشبهات من أن تلك الدول تحمي هؤلاء لغرض في نفس يعقوب فهل يجوز بالقياس أن يتم شن الحرب على تلك الدول بتهمة رعايتها لإرهاب مؤكد ومحقق وقاطع بأحكام قضائية؟ وهل يمكن اعتبارها ـ على الأقل ـ في حالة حرب مع الدول المتضررة؟ لقد استندت الدول الغربية في حمايتها لأولئك المجرمين الى نظرية السيادة، أي أنها عمليا وفرت المأوى وحرية النشاط والحركة لتلك الجماعات، وفي هذا الشأن لا توجد فوارق ذات معنى بين موقفها وبين موقف حكومة طالبان في أفغانستان، بل أن الأخيرة قد طرحت موقفا أكثر تقدما حين اقترحت أن تقدم اليها أدلة ارتكاب مجموعة القاعدة للجرائم الأخيرة حتى يتم تقديمهم للمحاكمة. ومن الواضح أن مصطلحات القانون والشرعية الدولية هي آخر ما يمكن البحث عنها في كتاب الحرب الجديدة التي تشن حاليا على جبال وفيافي أفغانستان، بل أنه يصعب البحث عن المبررات في القانون الطبيعي للثأر والانتقام الذي يشترط التناسب بين الفعل ورد الفعل، فلا جدال أننا أمام تطبيق سافر للقوة المجردة، بكل ما يعنيه وصف التجريد من معان. إذن نحن أمام حرب تشنها أعظم دولة في العالم بالتحالف مع امبراطورية سابقة ضد دولة أفغانستان، وأهدافها المعلنة أولا: هي القبض على شخص اسامة بن لادن حيا أو ميتا، ثم أضيف هدف تغيير نظام الحكم في تلك الدولة، وتغليف ذلك كله في هدف واحد غامض وغير محدد هو محاربة الارهاب. وبقراءة سير العمليات العسكرية حتى الآن، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جيشت لحملتها أعظم ما تمتلكه من وسائل الدمار والتهلكة، حيث تتوالى الغارات الجوية والصاروخية آناء الليل وأطراف النهار على ما تسميه الادارة الأمريكية أهدافا عسكرية أفغانستانية، ولعل طول مدة قصف هذه الأهداف وشدتها يثير التساؤل حول الزمن الذي يمكن أن تستغرقه عملية عسكرية لتدمير الأهداف العسكرية في دولة لها بالفعل ما يمكن أن يطلق عليه أهدافا عسكرية؟ فما نراه من مظاهر التدمير حتى الآن لا يتجاوز بيوتا بدائية، وبعض خيام البدو الرحل، ومن المدهش حقا أن تصريحات وبيانات الملا عمر تعكس نوعا من التحدي بل والرغبة الأكيدة للمبارزة والثقة من النصر، كما أن استدعاء هزيمة البريطانيين أيام الامبراطورية، والسوفييت أيام الامبراطورية أيضا في نفس الجبال والفيافي يلعب دورا في تعميق شعور طالبان بامكانية تحقيق النصر في النهاية. وهكذا نجد صاروخ الكروز في مواجهة السكين والسيف وأحدث المقاتلات في مواجهة الابتهالات والأدعية، والنتيجة حتى الآن هي ما نراه من صور جثث الأطفال والشيوخ والنساء الممزقة المشوهة، وآلاف الأشباح الهائمة على وجوهها وقد أوصدت أمامها حدود الدول المجاورة، والتناقض ما بين طائرات تقذف الغذاء لمساعدة الجائعين، وطائرات تقذف مخازن الغذاء التابعة للصليب الأحمر، ولا يزال بن لادن مطلق السراح حيا أو ميتا. ومن الأسئلة التي تحير علماء الاستراتيجية ومراكز الأبحاث سؤال عن الهدف الذي يمكن بعد تحقيقه أن تدعي أمريكا الانتصار في الحرب؟ . فعلى سبيل المثال في حرب الخليج الثانية كان الهدف المعلن هو تحرير الكويت، وقد تحقق هذا الهدف وبالتالي أمكن لكل الأطراف المشاركة أن تعلن النصر، بغض النظر عن ظهور أهداف أخرى لاحقة فيما بعد ليس هذا محل مناقشتها. فهل تخرج أمريكا وحلفاؤها منتصرين بمجرد القبض على اسامة بن لادن حيا أو ميتا؟، واذا كان ذلك، فهل يتناسب حجم الحملة الحالية وبشاعة الدمار المصاحب لها مع هذا الهدف؟ لذلك فلابد أن النصر يعني شيئا آخر لأمريكا، يتجاوز مجرد القبض على شخص، فقد يكون النصر مثلا بالقضاء على تنظيم القاعدة، إلا أن هذا التنظيم طبقا لما أعلنته المصادر الأمريكية نفسها موجود في العالم كله، وهو يشبه شيئ هلامي غير محدد، فهل يقتضي اعلان النصر أن تعلن الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على العالم كله أو معظمه على الأقل؟ ربما لصعوبة السيناريو السابق، فأن المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين قد وجدوا ضالتهم في نظام طالبان، بحيث يتحقق النصر بتغيير هذا النظام واسقاطه واحلال نظام بديل له، ولكن اي نظام؟ إن كل الفرق المتصارعة داخل أفغانستان لم تكن سوى صناعة أمريكية، والمفاضلة بينها لا تؤدي الى فروق جوهرية، بل أن طالبان بالمقارنة يعتبر أكثرها حفاظا على الاستقرار والأمن سواء لاسباب قبلية أو لأسباب عرقية إذن هل يمكن استنتاج أن تلك حربا بلا نصر لا تتجاوز مجرد الرغبة في الانتقام؟. إذا كان ذلك الاستنتاج صحيحا، فلابد أن يراجع المخطط الأمريكي نفسه، لأن التاريخ قد علمنا أن الاستخدام غير المتناسب للقوة، والذي يحركه الغضب ومجرد التفوق النوعي في مقدرة التدمير، يأتي دائما بردود فعل عكسية، تماما مثل محاولة معالجة خاطئة لخلية سرطانية تؤدي الى انتشار تلك الخلايا بشكل عشوائي عنيف. والمراجعة لا يفوت أوانها أبدا، وهي اليوم أفضل من غد، وفي الغد أفضل من بعد غد، لأن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر الماضي يستحق الدراسة المتأنية واستخلاص العبر الحقيقية، فهو في التحليل الأخير نتيجة لأسباب موضوعية يجب التوصل اليها ومحاولة معالجتها عند الجذور، ويكاد أن يكون هناك اجماع على أن أحد أهم هذه الأسباب هو غياب مفهوم العدل فيما يسمى باصطاح العولمة ، ليس ذلك فحسب بل وتعميق الشعور بالظلم في مناطق كثيرة من العالم لعل أبرزها الأراضي الفلسطينية التي تشهد أكبر مذابح التاريخ بشاعة ودموية على مرأى ومسمع العالم كله. ـ كاتب مصري