من يعرف دروب البحث العلمي، وعانى مصاعبه، يعرف تماما مباهج اكتشافاته التي تجيء بعد تعب وصبر وعمل طويل، كما يعرف أيضا مباهج معارفه المفاجئة، خصوصا تلك المعارف التي تبزغ على غير انتظار، أو على سبيل المصادفة. ويحدث ذلك لي عندما أبحث في مصدر قديم عن معلومة بعينها، وأصبر على قراءة المصدر القديم، واحتمل الاستطرادات الكثيرة للمؤلف القديم، وفجأة وسط هذه الاستطرادات، ووسط موضوعات توشك العين أن تعبرها، تصطدم العين بمعلومة أو خبر أو حادثة بحثت عنها لوقت طويل في كثير من المصادر من غير أن أصل الى ما أريد، وإذا بي اكتشفها على سبيل المصادفة ودون توقع. والفرحة الغامرة التي أشعر بها في مثل هذه الحالات يعرفها قراء التراث ودارسوه. وأذكر أن أحد أساتذتنا كان يفضل مراجعة الكتب المطبوعة طباعة قديمة من غير فهارس حديثة، وذلك ليتذوق متعة التجوال الحر بين أفنان المعلومات، آملا أن يعثر على شيء لم يسبقه اليه غيره. وقد ورثت هذا النوع من محبة التجوال الحر في المؤلفات القديمة عن مثل هذا الأستاذ، ومضيت في ذلك الطريق الذي أتاح لي ـ عبر سنوات عمري العلمي ـ من الكشوف ما لا أزال أحمل عطاياه في عقلي ووجداني. وأتصور أن هذا النوع من المعرفة المفاجئة لا يقتصر على المؤلفات القديمة وحدها، وإنما يمتد الى المؤلفات الحديثة بمختلف أنواعها. أذكر ـ مثلا ـ أنني قرأت في أحد الكتب عن شخصية مصرية ذهبت الى أحد مؤتمرات المستشرقين في نهاية القرن التاسع عشر، وألقى صاحب هذه الشخصية بحثا قارن فيه للمرة الأولى بين الكوميديا الالهية للشاعر الايطالي العظيم دانتي اليجيري ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري. ولم تكن رسالة الغفران قد طبعت بعد، ولا تحدث أحد عنها معرفا بها. وكان ذلك يعني اكتشاف رائد مجهول في تاريخ الدراسات الأدبية المقارنة، ومكتشف سبق الجميع لا الى التعريف برسالة أبي العلاء وإنما الى الوصل بينها والكوميديا الالهية، بل تأكيد سبق أبي العلاء للشاعر الايطالي الذي لا يزال العالم يتحدث عن رائعته الكوميديا الالهية أو الملهاة الالهية. وعندما عرفت هذه المعلومة، رجعت الى ترجمة المرحوم حسن عثمان لعمل دانتي وتوقعت أن أجد في تقديم الترجمة المزيد من المعلومات فقد قضى حسن عثمان عشرين عاما على وجه التقريب في ترجمة الكوميديا الالهية وأخرجها في ثلاثة أجزاء نشرتها دار المعارف في القاهرة، وأعادت طبعها مرات ومرات، ولا تزال هذه الترجمة إحدى روائع الترجمات التي يفخر بها تاريخ الترجمة. ولكني ـ للأسف ـ لم أجد ذكرا لذلك الباحث الرائد الذي بحثت عنه، وطال بحثي لسنوات في مصادر الأدب الغربي الحديث من غير فائدة. وفجأة، كنت أطالع فصلا للمؤرخ المرموق، صديقي العزيز يونان لبيب رزق، وكان الفصل عن دار الكتب المصرية في مطلع القرن، وهكذا عن طريق المصادفة عرفت ما ظللت أبحث عنه منذ سنوات. وقد تعلمت من مثل هذه التجارب عدم اليأس من معرفة أي شيء فالمعلومة التي أرجوها والتي لا أجدها اليوم سوف أجدها في الغد أو بعد الغد أو بعد بعد الغد، المهم الصبر وعدم التوقف عن متابعة كل المجالات المعرفية المتاحة. وتعلمت كذلك أن مجالات المعرفة الانسانية متداخلة ومتشابكة، وذلك الى الدرجة التي لا ينفع فيها انغلاق المرء على تخصصه المحدود، فما أكثر الجوانب التي لا يمكن معرفتها حق المعرفة إلا من خلال إدراك علاقتها بجوانب مغايرة في مجالات معرفة مختلفة. ولولا ذلك ما شبه العلماء المعرفة بشجرة هائلة متعددة الأفرع والأغصان، لكن تعدد أفرعها وتباين أغصانها لا ينفي الوحدة القائمة بينها. وأحسب أن ما تعلمته في هذه الدائرة هو ما جعلني أتحمس لما أصبح يسمى تضافر الاختصاصات أو المعرفة البينية التي تهتم بنقاط التلاقي أو التماس أو الاتصال أو التداخل أو التفاعل بين مجالات المعرفة المختلفة. وآخر ما أدين به لنوع المعلومات التي يكتشفها المرء على نحو مفاجئ يرجع الفضل فيه الى جريدة «البيان» العزيزة، فقد قرأت في أحد أعدادها مقالا لكاتب فاضل، نسيت اسمه للأسف، وكان المقال يتحدث عن موضوع يهتم به الكاتب. وفجأة، ذكر الكاتب عنوان كتاب المتوارين الذي ألفه الحافظ عبدالغني بن سعيد الأزدي المتوفى سنة 409 للهجرة، وهو من علماء مصر الذين عاشوا أيام الحاكم بأمر الله. وذكر الكاتب الفاضل أن عبدالغني الأزدي هرب تواري من الحاكم بأمر الله لخلافات اعتقادية. وأنه في هربه تواريه ألف كتاب المتوارين. ولم يفت الكاتب الفاضل تأكيده أن بعض مخطوطة الكتاب ـ في إحدى نسخه القديمة ـ موجودة في المكتبة الظاهرية في سوريا. وفرحت جدا بهذه المعلومة، فاهتمامي بما أسميه بلاغة المقموعين قديم يرجع الى سنوات بعيدة، وبحثي عن كتابات الهوامش والمتمردين على ظلم الملوك ظهرت نتائجه في أكثر من بحث. ومنذ حوالي ربع قرن وأنا أجمع كتب المحن والمغتالين والصمت ومقاتل الطالبين وغير الطالبين، ولم يقع تحت يدي كتاب كامل عن المتوارين. وبدأت البحث في اتجاهات عديدة، سألت كل اصدقائي من ناشري كتب التراث، وعلى رأسهم صديقي محمد الخانجي الذي ينتسب الى أسرة عريقة في النشر ومحبة التراث العربي الاسلامي والعمل على صيانته، وأراه دائما خير خلف لخير سلف، ووعدني صديقي محمد بالبحث، وسألت غيره من الأصدقاء، وأرسلت الى تلامذتي في سوريا كي يستخرجوا صورة من ذلك الجزء المخطوط في المكتبة الظاهرية. وكم كانت سعادتي غامرة عندما أبلغني صديقي فخري كريم صاحب دار القلم في دمشق وطمأنني بأن نسخة من الكتاب المطبوع ستصلني في أقرب وقت. وأبلغت أستاذي الدكتور حسين نصار الذي شاركني حماسه معروفة هذا المخطوط، واقترح أن ننشره ضمن منشورات المجلس الأعلى للثقافة، ووعدته بأنني سأحصل له على نسخة من الكتاب. وبالفعل وصل الكتاب الذي وجدت عنوانه كتاب المتوارين الذين اختفوا خوفا من الحجاج بن يوسف. وضبط نصه وعلق عليه الأستاذ مشهور حسن محمود سلمان، واشتركت في نشره ـ الى جانب دار القلم في دمشق ـ الدار الشامية في بيروت. وصدرت طبعته الأولى سنة 1989. وظلت الطبعة متاحة للباحثين طوال عقد بل يزيد من غير أن يصلنا خبرها، وما كان من الممكن أن أعرفها لولا ذلك الكاتب الفاضل الذي ذكر كتاب المتوارين في مقاله في جريدة «البيان» التي أسعد بالكتابة فيها، ولهذا الكاتب الكريم شكري على ما أتاح لي معرفته، وله عذري على نسياني اسمه، فقد ضاع مني العدد الذي قرأت فيه مقاله، ولعله يستبدل بلومي على نسيان اسمه الفرح بعثوري على الكتاب الذي كان يتمنى أن يطالعه في مقاله. أما عن الكتاب الذي جمعني بهذا الكاتب الفاضل، أو الذي قادني هذا الكتاب الفاضل اليه، فهو رسالة صغيرة ألفها عبدالغني الأزدي أثناء تواريه من الحاكم بأمر الله حسب ما ورد في وفيات الأعيان لابن خالكان وشذرات الذهب لابن العماد. وكان سبب تواري المؤلف هو خوفه من أن يلحق بصاحبين له قتلهما الحاكم بأمر الله، فاختفى عن الأنظار، وترك تلاميذه الذين كان يروي لهم الحديث، فقد كان محدثا. وشغل نفسه أثناء اختفائه بالكتابة عن الذين تواروا خوفا منه. وكنت أتوقع أن يكتب عن المتوارين جميعا، لكنه اختار الذين تواروا خوفا من بطش الحجاج بن يوسف الثقفي. ويبدو أنه اقتصر على هؤلاء لأنه رأى منهم مجموعة من السلف الصالح، أو لأنه أراد أن يكشف عن بطش الحجاج، أو لأنه أراد أن يقرن على سبيل التضمين بين الحجاج والحاكم بأمر الله على سبيل المشابهة التي تجمع بين الظالمين، وعلى سبيل التآسي بأخبار السابقين في الوقت نفسه، فقد مات الحجاج ورفع الله بموته ظلمه عن الناس. وكذلك (يتمنى المؤلف فيما يبدو) لابد أن ينتهي مصير الحاكم الذي مات غيلة، وعلى نحو غريب. الحق أنني كنت أرجو من الحافظ عبدالغني الأزدي أن يكتب عن كل المتوارين الى عصره. ولكن من يدري؟! ربما لم يطل تواريه، وربما لم تكن المصادر تسعفه، وربما ترك لغيره عبء إكمال المهمة التي بدأها، خصوصا عندما كتب رسالته الفريدة التي لا أعرف لها نظيرا في تراثنا العربي. لكن من يدري مرة أخرى؟! لعل لها نظيرا فات على كتب الفهارس التي نرجع اليها، ولعل لها مثيلا يمكن لباحث أن يكتشفه مصادفة مثلما اكتشفت خبر كتاب المتوارين في جريدة «البيان».