يقولون في تراثنا وهو قول صحيح ان أعذب الشعر أكذبه، ويقصدون مبالغات الشعراء الغزليين في وصف جمال المحبوبة، او تطرف المداحين والهجائين في المدح والذم، حسبما تقضي المصلحة، ومثلما فعل المتنبي مع كافور الاخشيدي، عندما مدحه وحلق به في السماوات العلا، وعاد ليخسف به الأرض، معرضاً بكونه عبداً منجوساً، سيق للحكم في غفلة من الزمن، ورحل المتنبي وكافور وبقي بيت الهجاء خالداً عبر الزمن: لا تشتري العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد وخلافاً لصورة اعذب الشعر أكذبه، عرفنا مع شعراء فترة المد القومي ان الاعذب هو الاصدق، عندما تولد الكلمات من رحم الواقع، وتنسج الصور من ومضات ضمير الأمة، ويتحول الشاعر الى لسان حالها، وهو ما تجسد بشكل خاص مع أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودي، وكلاهما نحت من جرانيت جبال الصعيد، وتشرب صلابته وشدة مراسه ونقاء معدنه، والتعفف على الدنايا والابتذال او طرح القصيدة في مزاد العطايا. ويعرف الجميع صلابة ومبدأية أمل دنقل وشراسته في الدفاع عن عروبته، وتفضيله البقاء مهمشاً خارج المؤسسات الرسمية، يعاني شظف العيش، رافعاً هامته، ممسكاً بجمرة الحقيقة تاركاً ثروة شعرية، درتها قصيدته «لا تصالح» التي تعتبر بياناً شعرياً رافضاً للتطبيع مع الصهاينة. اما الأبنودي الذي يشرف معرض الشارقة الدولي للكتاب كأبرز شعراء العامية المصرية، وحامل لواء تجديد دمائها ووصلها بالفصحى، فقد لخص بمشواره مسيرة وكفاح امة، ولا يمكن تجاوزه، او تخطيه، بل ويسهل لمن يريد التعرف على محطات النضال العربي منذ مطلع الستينيات وحتى الآن ان يكتفي بقراءة دواوين الأبنودي، المشعة بالحياة والنابضة بمشاعر العربي البسيط، الكاشفة لحقائق ما هو آت. فمن خلال الأبنودي و«جوابات حراجي القط» تتعايش مع ملحمة بناء السد العالي، وما تخللها من تجارب انسانية، كانت تمهد لبناء مجتمع شعاره تمجيد قيمة العمل، وتنحني جباهه للأيدي «العرقانة» وليس للأيدي الناعمة والياقات البيضاء. وفي «وجوه على الشط» أرخ الأبنودي بشفافية قاموسه الشعري الخاص البسيط المعجز لأصعب سنوات الصراع مع اسرائيل، وفترة تهجير أهالي منطقة القناة خلال حرب الاستنزاف، ورسم لوحة نصر اكتوبر قبل أن يتحقق العبور. وطيلة مشواره لم يتخل الأبنودي عن سمته ولهجته الصعيدية المحببة وبساطته وعفويته التي تعرضه احياناً لانتقادات المتسرعين، مثلما حدث عندما استقبله الرئيس المصري الراحل عقب نصر اكتوبر، وأمطره بكلمات تمجيد وتكريم جعلت الأبنودي ابن الصعيد الذي تربى على توقير كبراء العائلة، يقبل يده. وعندما انفكت عقدة لسان الشعر لم يغن الأبنودي، مثلما فعل آخرون، بل خلّد نصر البسطاء والجنود المجهولين، وحذر من موجة الانفتاح والبيزنس، واستشرف ما تخبئه من خسائر تسرق النصر. واخيراً، تحية للأبنودي الشاعر والانسان الذي يواصل العطاء، ومنح الأمل لنا في مرحلة عز فيها الأمل، فهذه وظيفة الشعر الصادق المجلوب من سماوات الحقيقة.