استمتعت كثيراً وأنا أقرأ كتاباً للصحفي المصري (مصطفى أمين) رحمه الله، والكتاب صدر في نهاية الثمانينيات تحت عنوان (لكل مقال ازمة) وهو عبارة عن عدة مقالات كتبها الصحفي الشهير لتنشر في جريدة «أخبار اليوم» لكنها كانت تشطب في اللحظة الاخيرة لسبب أو لآخر، فقد كان لكل مقال قصة يروي الكتاب تفاصيلها وخلفياتها ورموزها من أهل السلطة والسياسة، وغالباً ما تبدأ ازمة المقال قبل كتابته أو بعدها واحياناً في اثناء الكتابة، لكن في جميع الاحوال كان الأمر يأتي صريحاً ونهائياً: اشطبوا المقال! هكذا يروي صاحب «أخبار اليوم»! ومصطفى أمين خاض غمار الصحافة باكراً جداً عندما كان طفلاً مع شقيقه (علي أمين) وتمرس في التعامل مع اساطين السياسة في مصر، وتفقه كثيراً في فقه الازمات التي تدور رحاها في الكواليس وفي العقليات، والتي قادت بدورها الى قرار منع الكثير من مقالاته، ومعروف ان اغلب ازمات الرجل كانت مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر! ولو اننا سألنا اي كاتب رأي في طول البلاد العربية وعرضها عن توقعاته بالنسبة لما قد يسببه مقاله من سخط أو رضا لدى الناس أو اصحاب السلطة، لتأكد لنا ان الكثيرين منهم لا يعرفون على وجه الدقة اذا كانت كتابتهم سوف تسعد الناس أو تشقيهم، فنحن لا نعرف مثلاً أن مقالاً واحداً أسعد كل الناس أو انه اسخط كل الناس، لكننا نعرف على وجه الدقة ان مقالات كثيرة اسعدت اناساً واسخطت آخرين، وهذا أمر طبيعي، طالما ان هناك من يكتب بحرية مؤسسة على أخلاق مهنية عالية، وهادفة الى الصالح العام، أما أن يضع الناس كلمات في المقال لم يقلها الكاتب، ويفسروا كلامه كما يشاءون فذلك شأن الناس بالتأكيد! في الكتاب يحكي الصحفي الشهير الحكاية المتكررة ذاتها.. حكاية الاشخاص الذين يؤمنون بحرية الصحافة، ويتحمسون لحق التعبير، لكنهم سرعان ما ينقلبون عكس ذلك ويتحولون الى اشد الناس عداوة وشراسة ضد حرية الصحافة اذا ما جلسوا على مقاعد المسئولية والسلطة، أو إذا مست هذه الحرية اشخاصهم ومصالحهم! وهنا تكمن مأساة الصحافة والمجتمع، وكارثة الانسانية كلها. Aisha@albayan.co.ae