نظرة واحدة الى المشهد السياسي والفكري العربي والاسلامي، منذ وقعت تفجيرات 11 سبتمبر عام 2001، وما ترتب عليها، تكشف عن اننا لم نتقدم خطوة واحدة الى الامام من نصف قرن على الاقل، وان تياراتنا السياسية، تصر على ان تقف عند اقصى الجهات الاصلية ، وانه لا خيار امام كل منا، الا ان يكون مع «ابن لادن» مئة في المئة، او مع «ابن بوش» مئة في المئة.. اما ان يكون مع الاثنين، فيقف مع الاسلام ومع الحوار بين الحضارات ومع الاصالة والمعاصرة، او ضد الاثنين فيرفض الهيمنة ويرفض الارهاب، فذلك اختيار غير وارد، لانه يتناقض مع شعار «محلك سر» الذي نتخذه راية لنا. ومن حق بعض الذين يتابعون المشهد السياسي والفكري في البلاد العربية والاسلامية، منذ وقعت هجمات الثلاثاء الدامي ان يقولوا بأن الغرب هو الذي بدأ بتوصيف ما يجري باعتباره صراعاً بين حضارات بل بين اديان، وانه الذي اسرع بتوجيه التهمة للمسلمين، بل والاحتكاك بهم فور وقوع الاحداث، وان وصف «بوش» للحملة الجارية بانها ستكون حرباً صليبية، ربما يكون «فلتة لسان» لكنها كشفت عن عقله الباطن، وان الحيرة في اختيار اسم للعملية بين «العدالة المطلقة» و«النسر النبيل» وهي مصطلحات ذات طابع ديني تاريخي هي دليل اضافي على ان تلك الحرب من وجهة نظر الغرب هي بالفعل حرب دينية. ذلك منطق ربما لا يخلو من وجاهة، ولكنه يتجاهل واقعاً نعرفه جميعاً، وهو ان الغرب لم يرفع اصبعه مشيراً بالاتهام الينا، انطلاقاً من تاريخ العصور الوسطى، او استئناف الحرب الصليبية ولكنه فعل ذلك استناداً الى شواهد معاصرة، والى تاريخ الزمان الذي نعيشه، فلا احد يستطيع ان ينكر حقيقة ان هناك جناحاً من حركة الاسلام السياسي يعتمد فقه التكفير، ويرى ان الحضارة القائمة الان، هي حضارة جاهلية تعبد الاوثان، وهو حكم لا يقتصر على الطبقات المسيطرة، او الانظمة الحاكمة، كما لا يقتصر على الحضارة الغربية، بل ويشمل كذلك الشعوب والمجتمعات، بما في ذلك المسلمين الذين يتوهمون او يتوهم الاخرون انهم مسلمون، اما وقد ارتد العالم الى جاهلية مشركة، كالتي كانت سائدة في ارجائه قبل الاسلام، فإن اصحاب هذا الفكر يدعون الى تشكيل طليعة مسلمة مؤمنة، تقوم بالدور الذي كان يقوم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم تفر بدينها ـ لتحشد قوتها، وتستعد للمعركة الفاصلة، وتعيد «فتح العالم» كما فتح «الرسول» مكة، وتحطم الاصنام كما حطمها، وفي الطريق الى ذلك يمكن ان تقوم بغزوات تقاتل فيها المشركين او ترسل سرايا تهاجمهم، كما فعل الرسول خلال فترة هجرته الى المدينة المنورة. وكان هذا النوع من التفكير وراء اعمال العنف التي قام بها هؤلاء في بلاد اسلامية وعربية منها مصر، واليمن، والجزائر، والسعودية، كما شهدت مدن اوروبية وامريكية بعض فصوله، فضلاً عن انها اصبحت ساحة لترويجه، بعد ان لجأ اليها بعض اقطابه باعتبارهم مضطهدين في بلادهم، بينما حصل اخرون منهم على الجنسية الامريكية، او احدى الجنسيات الاوروبية، ليستغلوا الحريات العامة الشائعة في بلاد «الشرك» و«الكفر» التي تعبد الاصنام ويحكمها الطاغوت في الدعوة لتحطيم الطاغوت، واعداد العدة لتسيير الغزوات والسرايا الى ان يفتح الله عليهم، بحكم العالم، كما فتح على المسلمين الاوائل! تلك حقيقة تضع فأس المسئولية عن توجيه اصابع الاتهام الينا، في رقبة الذين وضعونا موضوع الشبهة، وربما تكون مسئوليتهم عن ذلك اكبر من مسئولية الذين اشاروا نحونا بتلك الاصابع! وحتى لو فرضنا جدلاً ان الغرب يتحرش بنا، وانه يتخذ منا موقف العداء التاريخي، فما الذي يدفعنا الى قبول تحديه والدخول معه في معركة سنكون نحن بالقطع طرفها المهزوم منذ البداية لان موازين القوى على كل صعيد ليست في مصلحتنا. اما وقد تدافع الجميع من «بوش» الى «برليسكوني» الى«بلير» الى الاعتذار عما قالوه، فلماذا يصر بعضنا على تجاهل كل محاولات التراجع، ولماذا يدفعون الامور في اتجاه المواجهة بيننا وبين الغرب، على النحو الذي فعله «اسامة بن لادن» في رسالته الاولى التي اذيعت قبل بدء الحملة العسكرية ضد افغانستان وما كرره بصورة اوضح في رسالته الثانية التي اذيعت هذا الاسبوع؟ ذلك سؤال ليس في حاجة الى اجابة فليس لاحد مصلحة في تصوير الامور على هذا النحو إلا الذين وضعونا موضع شبهات ثم اكدوا هذه الشبهات بدفاعهم عما جرى، او تبريرهم له، على نحو جعله اقرب ما يكون الى اعتراف بالتهمة لينتهي ذلك كله، بوضع الامة كلها في حرج لا تستطيع منه فكاكا، فلا هي راضية عما فعلوه ولا هي راضية تماما، عن رد الفعل الغربي المضاد ولا هي في اوضاع تسمح لها بأن تجاهد او تمكنها على الاقل من ان تتخذ موقفا متوازنا. وبدلا من ان يجهدوا عقلهم في البحث عن مخرج من الازمة الحالية يوقف الدمار الذي ينهال عليهم، ولا نستطيع ان نتحمله مهما كان رأينا فيما فعلوه، يصرون على مواصلة تصعيد الامور الى ذروة هم اول الذين يعرفون انه لا قبل لنا ولا لهم بها. اما السؤال الذي طرح نفسه عليّ بالحاح وانا اتابع خطابي ابن لادن الاول والثاني فهو: ما هي الصفة التي يتحدث بها؟.. فلا هو امير المؤمنين في امارة افغانستان الاسلامي، ولا هو احد المسئولين في حكومتها..؟ وسرعان ما وجدت الاجابة في ثنايا الخطابين، فهو يتحدث باعتباره زعيم هذه الطليعة التي تنظر الى العالم القائم بكل ما فيه ومن فيه، باعتباره دار شرك يعبد الناس فيها الاصنام ويخضعون للطاغوت، والتي هاجرت بدينها، كما فعل المسلمون الاوائل حتى لا تفتن فيه لكنها لم تهاجر الى المدينة المنورة، ولكنها هاجرت الى كابول. لكي تتخذ منها «قاعدة» لكي تعد العدة، وتملك القوة التي تمكنها من شن الحرب على العالم وتحريره من «عبادة الاصنام». ذلك منطق كان يمكن قبوله او التحمس له،، لو ان الذين يتخذون من «كابول» كما اتخذ المسلمون الاوائل من «المدينة المنورة» دار هجرة فأصلحوا من مرافقها ونظموا شئونها بما يجعلها نموذجا للعدل والأمن والاستقرار والرخاء، اما وقد حولوها الى خرائب ينعق فيها البوم، ويموت الناس فيها من نقص القوت، فإن النموذج الذي يقدمونه للاسلام، هو اكبر دعاية لحضارة الطاغوت التي يدعوننا للانقلاب عليها، وتدميرها، استنادا الى افكار لا صلة لها بالاسلام، وكأن المسلمين طوال خمسة عشر قرنا لم يكتسبوا خبرة، ولم يصنعوا حضارة، كانت هي الاساس الذي انطلقت منه الحضارة الغربية الراهنة، وكأنهم ظلوا طوال تلك القرون لا ينتقلون من مكانهم ولا يستمعون إلا الى نداء واحد هو للخلف در.. ومحلك سر! ـ كاتب مصري