من واقع متابعة الادبيات السياسية الامريكية الرصينة الصادرة في هذه الايام.. يلاحظ المراقب السياسي، من الوهلة الاولى اهتماماً لا يخفى بميراث الرئيس الامريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (ولد الرئيس الاسبق عام 1882، وهو عام احتلال الانجليز لمصر واخماد ثورة عرابي الوطنية ورحل عن الدنيا قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 فيما تولى الرئاسة الاولى في بلاده على امتداد 12 عاماً بدأت من عام 1933 وكان ذروة معاناة امريكا وقت حلول الكساد الاقتصادي الكبير وانتهت برحيله الى عالم البقاء. 10 رؤساء ورغم ان الرئاسة الاولى في البيت الابيض توالى عليها عشرة رؤساء من هاري ترومان الى بيل كلينتون (بوش ـ الابن هو الرئيس الحادي عشر) الا ان العقل الجمعي السياسي في الولايات المتحدة لا يفتأ في هذه المرحلة بالذات يستعيد ذكرى رئاسة واعمال ومنجزات روزفلت. وفي هذا السياق، لم يكن صدفة مثلاً ان يصدر، في غمار التوترات السياسية الراهنة التي يتسابق فيها الناشرون في امريكا والغرب الى طرح اكبر ما يسعهم من كتب ودراسات حول المسلمين والاسلام وحول العرب والشرق الاوسط.. منها العميق ومنها الغث ومنها ما هو ناتج عن استعادة كتابات قديمة مع مقدمات جديدة لزوم التواؤم مع مرحلة ما بعد 11 سبتمبر 2001 حتى ليكاد يصدق على هذا النوع من الاصدارات وصف انها ناتجة عن عملية «اعادة تدوير» وسط هذا كله يصدر كتاب جديد بعنوان «حرب روزفلت السرية» من تأليف باحث اسمه «جوزيف برسيكو وهو عمل يدرس بأناة وعمق فن التعامل الذي لم يعرف احد ان روزفلت يجيده مع جهود الاستخبارات وتحليل المعلومات وهضمها والافادة منها في رسم الاطر الاستراتيجية والخطط السياسية. في هذا الصدد يلخص الناقد فيليب بابيت، رؤيته لهذا الجانب في الرئيس الامريكي الاسبق وكأنما يدعو الى التأسي به بالنسبة للتعامل مع الموقف الراهن.. وقد صاغ بابيت هذه الرؤية على شكل سؤال بلاغي مطول قال فيه واصفاً روزفلت: هل كان بوسع رجل كهذا.. حسن التقاطيع شبه قعيد من اصابة شلل الاطفال (الرئيس الامريكي كان فوق كرسي متحرك) داهية مخادع بالطبيعة ولا يثق فيه اي من اقرانه ولكنه استطاع رغم هذا كله ان يترأس باقتدار على بلد (امريكا) كان يعيش العزلة (منذ العشرينيات والثلاثينيات) وكان غارقاً في حمأة كساد اقتصادي طويل. فاذا بالرجل يدبر الامور ويدير دفتها الى حيث يهزم اشد الاقتصادات دينامية واقوى آلية عسكرية، في العالم (المحور النازي ـ الياباني) ومن ثم يقود البلد الى حيث اعلى مكانه متفوقة على الصعيد الدولي، (نيويورك تايمز، 19/10/2001). روزفلت ـ لماذا؟ ونحسب ان هذا الاهتمام بالرئيس روزفلت ينبع من مصادر شتى منها على سبيل المثال ما يلي: اولا انه آمن بدور الدولة وآلتها الحكومية ومسئوليتها القومية في مواجهة مشكلات الاقتصاد الوطني ـ وكان ذلك ولعله لايزال ـ على خلاف دهاقنة النظام الرأسمالي ممن لا يفتأون يرفضون وربما يستنكرون تدخل الدولة او اسناد دور فعال او رئيسي لها في ادارة دفة التجارة والاعمال ودولاب الحركة الاقتصادية، هم اصحاب مدرسة «دعه يعمل ـ دعه يمر» الكلاسيكية الشهيرة ممن يقولون: ما للدولة والاقتصاد ـ انها تؤدي الى قتل روح المبادرة الفردية ووأد مهارات تنظيم المشاريع وتحويل الفعل الاقتصادي الى بيروقراطية حكومية.. وهم يسوقون في هذا امثلة شتى من تجارب خاضتها دول ونظم سياسية ـ في شرق اوروبا بالذات خلال تطبيق النظام الاشتراكي او الشيوعي. وربما ترجع مكانة فرانكلين روزفلت الى انه كسياسي لم يحبس نفسه في قالب التنظير الجامد ولا كان يصدر عن تكريس الافكار الرأسمالية منذ ان صدرت عن آبائها الأولين وفي مقدمتهم بالطبع الاقتصادي الانجليزي بالأدق الاسكتلندي الاشهر «آدم سميث» (1723 ـ 1790). في مواجهة كارثة الكساد الذي ضرب اقتصاد امريكا والغرب منذ اواخر العشرينيات واصاب هذه البلاد باحدى الازمات الدولية التي لا تلبث تجتاح نظمها الرأسمالية حيث تتفشى البطالة وتضمحل القوة الشرائية ومن ثم يذوي الاستهلاك وتتكرس البضائع في الاسواق ويعجز المستهلكون عن «شراء» المنتوجات والخدمات ويختل التوازن الذي سبق وان بشر به آدم سميث في كتابه الشهير بعنوان «ثروة الامم بين جانب العرض وجانب الطلب»، وتكون النتيجة اغلاق مصانع وافلاس منتجين واملاق موسرين وبوار الاسواق.. لدرجة تكاد تتوقف فيها عجلات التنظيم الاجتماعي عن الحركة والدوران. الصفقة الجديدة كان هذا هو الوضع الذي جاء بالسياسي الديمقراطي ف. د. روزفلت الى البيت الامريكي الابيض في عام 1933. وهو نفس الوضع الذي جعله يطرح عقدا اجتماعياً جديداً مع امته حمل اسمه التاريخي وهو: الصفقة الجديدة (نيوديل) ودلالة مثل التسمية تقول بانها صفقة تصدر عن روح تجارية.. برجماتية بعيداً عن شقشقة الالفاظ وقعقعة الشعارات ومعاظلة التنظيرات وصبغ الطروحات بالطبع الايديولوجي مما قد يعسر فهمه وقد يتعذر استيعابه على جموع الناس ادلجة المفاهيم كما يقال احياناً في ادبيات السياسة العربية المعاصرة. المسألة اذن كانت مجرد تعاقد ـ تفاهم والتزام مشترك او متبادل بين دولة روزفلت وبين جموع المنتجين والمتعهدين (منظمي المشاريع) وملايين العاملين في اطار تتولى الدولة امر التخطيط لانشاء مشاريع قومية كبرى في حجم السدود العملاقة (سد كولورادو الكبير مثلاً) وتحشد التمويل لمثل هذه المشاريع التي تتيح فرص العمل لآلاف ربما ملايين العمال الذين لا يلبثون ينفقون من واقع اجورهم على صنوف المعايش ووجوه الاستهلاك، ومن ثم تنتعش الاسواق وتنشط حركة البيع والشراء في السلع والخدمات وهو ما يتيح بالتالي اقدام فئة المستثمرين على انشاء مشاريع جديدة (من القطاع الخاص هذه المرة) يستخدمون فيها عمالة جديدة الى جانب عمالة القطاع العام التي وجدت فرصتها على يد «النيوديل» التي بشر بها فرانكلين روزفلت والتي لاشك انه استلهم في بعض جوانبها ـ كمثقف ـ كثيرا من الافكار التي طرحها الاقتصادي الانجليزي الكبير «جون ماينارد كينز» الذي كان يصغره بسنة واحدة وقد توفي بعده ـ بدوره ـ بسنة واحدة ايضا 1946 وتقدم نظرية كينز كما هو معروف ـ على اساس الدعوة الى اضطلاع الدولة ـ الحكومة ـ بالدور والمسئولية وخاصة في ظل اوضاع الكساد الاستثنائية كتلك التي شهدها الغرب في امريكا وأوروبا منذ عام 1929. لكي تخطط لتوظيف استثمارات ورصد اعتمادات طائلة يتم من خلالها لتمويل المشاريع الحكومية ـ القومية الكبرى من اجل تنشيط الاقتصاد وحفز الانتعاش وقد تم ترسيخ اسباب الاستقرار وربما السلام الاجتماعي. حزمة تدابير الانقاذ وعندنا ان العقل الاقتصادي ـ السياسي الامني يستدعي حاليا افكار روزفلت بل قد استدعاها بالفعل مجسدة فيما اصبح يسمى في الادبيات الامريكية الراهنة باسم «حزمة الاجراءات» ـ بمعنى مجموعة التدابير المتكاملة التي تقصد ادارة بوش الحالية الى صوغها وتحضيرها ثم طرحها على مجلسي الكونجرس مقدمة بمليارات الدولارات التي ترصدها الدولة وتدفع بها الى هذا الوجه او ذاك من اوجه الانفاق تحت شعار بات مرادفا لمعنى الانقاذ ـ بيلنج ـ او الاخراج من الورطة او اقالة العثرات كما يقول التعبير العربي القديم.. سواء تم توجيه هذا الحزم الانقاذية الى صناعة الطيران او الى اقتصاديات مدينة كوز موبيلية منكوبة مثل نيويورك او الى قطاع بعينه من قطاعات الانتاج والخدمات كما لا يمارس القائمون عليه اللعبة الشهيرة المحببة الى المديرين والاقتصاديين حين يهدفون الى خفض النفقات فاذا بهم يبدأون بالغاء مئات بل آلاف الوظائف وتسليم هؤلاء الآلاف من العاملين ـ واغلبهم ارباب اسر واصحاب عيال ـ استمارة الاستغناء ـ «القصاصة الوردية حسب التعبير الامريكي المتداول في دنيا المال والاعمال». الجمهوريون وافكار الديمقراطيين ومن مفارقات الظروف ان الذي يتطلع الى دور الدولة والذي يسند هذه المسئوليات الاقتصادية الى الحكومة هي ادارة من الحزب الجمهوري الذي تقوم فلسفته على اساس رفض اي دور للدولة والتنديد بأي تدخلات تتم من جانب الحكومة ومنهم من كان ينعي على ادارة كلينتون الديمقراطية السابقة افراطها في الانفاق الحكومي العام على اساس ان في ذلك اهدارا للموارد أوتسليما لامكانات المجتمع المالية لتصبح في رأي الجمهوريين ـ بيد الطغمة او العصبة من البيروقراطيين المنتفخى الاوداج والعاطلين ـ في تصورهم ـ عن روح المبادرة وموهبة الابتكار مع هذا كله، فهاهم يستدعون الى الذاكرة السياسية منجزات رئيس ـ ديمقراطي حتى لا ننسى هو فرانكلين ديلانو روزفلت. واذا كان السبب الاول في هذا الاستدعاء قد انبثق ـ كما ألمحنا ـ عن العامل الاقتصادي وخاصة لان دورة الاقتصادة الامريكي بدأت تشهد حالة ركود يفضي على التحقيق الى كساد زاد من تفاقمه خسائر الحادي عشر من سبتمبر وما نجم عنها من عواقب بعضها لا يزال محل رصد وتقييم وتحليل حتى الآن ـ فإن هذا يقودنا الى العامل الثاني الذي حفز على استعادة اسم روزفلت في غمار الظروف الراهنة التي تعيشها ـ بل وتكابدها الولايات المتحدة. هذا العامل مرتبط بناحيتين الاولى هي السياسة والثانية هي العولمة. تخطيط ما بعد الحرب ونحسب ان جذور هذا الجانب السياسي تعود الى السنوات الاخيرة من الحرب العالمية الثانية، وهي ايضا السنوات الاخيرة ـ كما اسلفنا ـ من حياة الرئيس فرانكلين روزفلت هي نفس السنوات التي عكف فيها صانعو القرار في الولايات المتحدة على التخطيط لدور سياسي يضطلع به بلدهم على المسرح العالمي وبالتحديد في عالم ما بعد الحرب في تلك السنوات بالذات ـ يقول البرفيسور مايكل كلير وهو من اساتذة دراسات السلم والامن العالمي في جامعات الولايات المتحدة ـ عكف فريق مسئولي الخارجية الامريكية على وضع مخطط سياسي لبلادهم يهدف الى غرضين الاول كفالة الامن لامريكا والثاني تحقيق رضائها الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. وفي دراسة نشرها الاستاذ كلير «مجلة نيشن عدد 5/11/2001 بعنوان «الجوهر الجيوبوليتيكي للحرب» يوضح الباحث ان هذا المخطط شمل انشاء او تعزيز انشاء الامم المتحدة واقامة مؤسسات بريتون ووذر وهي المجموعة الثلاثية المالية الدولية «البنك الدولي وصندوق النقد والمؤسسة المالية» ولكن كان على رأس القائمة هدف يتمثل على وجه التحديد في: ـ شراء امدادات كافية من البترول يقول البروفيسور مايكل كلير. ـ ارتأى صانعو الاستراتيجية الامريكيون ان الوصول الى البترول والحصول على الكميات المطلوبة منه امر له اهميته الخاصة بل كان يمثل في نظرهم عاملا حيويا في تحقيق انتصار الحلفاء على قوى المحور، وبرغم ان الضربات النووية التي وجهت الى هيروشيما ونجازاكي في اليابان «كانت عبارة عن اثنتين من القنابل الذرية» ادت الى انهاء الحرب، فقد كان البترول وليس غيره هو الذي هيأ الطاقة ـ الوقود للجيوش التي جعلت كلا من المانيا واليابان تجثو مندحرة على ركبتيها. البترول يضيف البروفيسر «كلير» هو الذي شكل قوة الدفع لتلك الاعداد الغفيرة من السفن والدبابات والطائرات التي زودت قوات الحلفاء بميزة التفوق على اعدائها الذين كانوا يفتقرون الى مصادر يمكن الاعتماد عليها من البترول، قد نضيف هنا ان نقص امدادات البترول كان من عوامل هزيمة قوات المارشال الالماني الاسطورة «اروين روميل» في معركة «العلمين» عام 1942 غربي الاسكندرية وقد كانت احدى المعارك الفاصلة حقا التي حددت مصير ومسار الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء. فتش عن البترول وهكذا تلخص الدراسة المنشورة في مجلة «نيشن» هذه الحقيقة البترولية كما نصفها في عبارات تقول: ـ هكذا ساد الافتراض بأن الوصول الى، ومن ثم الحصول على كميات كبيرة من البترول سيكون امرا حيويا ـ حاكما ان شئت ـ بالنسبة لنجاح الولايات المتحدة الامريكية في اي صراعات تنشب في مستقبل الايام. بعدها ثار السؤال البسيط والجوهري في آن معا: ـ من اي منطقة يمكن الحصول على البترول المطلوب شريطة ان يتحقق هذا الحصول وسط ظروف تجمع بين ثبوت الاحتياطيات وغزارة الانتاج ومعقولية الاسعار وسهولة النقل. هذا السؤال ظل مطروحا بين اواخر عقد الاربعينيات ومستهل عقد الخمسينيات وعكف على الاجابة عنه لجنة رفيعة المستوى تشكلت في الخارجية الامريكية برئاسة المستشار الاتحادي للوزارة ـ هربرت فايس. ويقول الاستاذ دانييل بيرجين في كتابه الصادر بعنوان «الجائزة». ـ لقد لاحظ المستشار فايس انه في جميع المسوحات الاستقصائية التي تم اجراؤها وفتئذ كان القلم يستعرض خريطة العالم ثم يتوقف في رهبة عند نقطة بذاتها وموقع محدد ـ وكان هذا الموقع بالنسبة للبترول هو الشرق الاوسط. والى الجزء الاخير ان شاء الله ـ كاتب سياسي من مصر