شهدت الايام الماضية وتحديدا منذ الاعتداءات على الولايات المتحدة، عودة الاهتمام الغربي بالملف الفلسطيني. ويقول كثير من المحللين ان الامر له علاقة بمحاولة الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا امتصاص النقمة العربية وربما الاسلامية مما يحدث في فلسطين، واعادة توجيهها ناحية التأييد للحرب ضد طالبان وتنظيم القاعدة. ومن ناحية اخرى تخفيف الاحراجات التي تواجهها بعض الحكومات العربية في تأييدها لهذه الحرب. وهذا التحليل صحيح الى حد كبير. لكنه يكشف في الوقت نفسه ان الدعم الغربي لاسرائيل ليس تلقائيا، كما انه ليس عديم الكلفة، بل قد يتحول الى عبء ثقيل، في حالة طغيان الاصرار على مواصلة الاحتلال ودعمه بآلة القمع والتقتيل الاسرائيلية وتحويل حياة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة وقطاع غزة الى جحيم لايطاق، وهذا بالضبط ما تمثله اسرائيل اليوم في صيغتها الشارونية. والسؤال هو كيف يمكن مفاقمة هذا الشعور لدى الدول الغربية، وتحويل هذا العبء الى هّم مقيم، علاوة على الاحراج المستمر الذي يواجه هذه الدول جراء ظهورها بمظهر الداعم لاحتلال واضطهاد الفلسطينيين؟ مقاربة ضارة يمكن القول ان عاملا ساعد حتى الآن آلة القمع الاسرائيلية في العثور على المبررات اللازمة لتسويغ عملها، وان جزئيا على الاقل، كما اعفى الولايات المتحدة وبريطانيا ودولاً اخرى من الشعور بالحرج لتأييدها اسرائيل، هذا العامل هو العمليات التي تقوم بها بعض الجماعات الفلسطينية، مثل حركتي حماس والجهاد الاسلامي ضد اهداف مدنية داخل اسرائيل.فهذه العمليات التي قد ترفع مؤقتا من معنويات بعض الراديكاليين في الشارعين الفلسطيني والعربي، وقد ترفع من شعبية هذه الجماعات في الشارعين المذكورين، إلا انها تعيد في الوقت نفسه تقديم الهجمات الاسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين على انها انتقام من اشخاص او مجموعات، حاولوا ان سيحاولون مهاجمة مدنيين اسرائيليين! بعبار اخرى تظهر اسرائيل وكأنها تتصرف بدافع من المحافظة على امنها وأمن مواطنيها، وهو حق لجميع الدول بدون استثناء، رغم ان الجميع يعرف ان اسرائيل لا تهدف الى منع الهجمات فحسب بقدر ما تهدف الى تركيع الفلسطينيين وفرض حلول تصفوية عليهم. لكن هذه الحقيقة تضيع للأسف وسط اشلاء الجثث التي تخلفها العمليات الاستشهادية، وحالة الفزع التي تنتاب المواطنين الاسرائيليين والتي تنقلها بحذافيرها كاميرات وسائل الاعلام، ولا تنقل معها كما هو معروف وسائل شرح وايضاح للخلفيات، ولا يمكن لوم انسان والحالة هذه حين يتعاطف مع هؤلاء الضحايا، كما يتعاطف مع ا ي ضحايا يسقطون جراء اعمال عنف في اي بلد. ان هذه المقاربة باعتقادي هي التي منعت وتمنع الكثير من الغربيين من رؤية المشهد الفلسطيني من زاوية ما يحدث فعلا في الضفة والقطاع، ولو اتخذنا جانب سوء النية وليس ثمة ما يدعو لذلك في الواقع، لقلنا انها اوجدت ايضا مبررات لدى بعض هؤلاء للاستمرار في التذرع بحجة امن اسرائيل لتحاشي ادانة الممارسات الاسرائيلية. وهذه المقاربة ايضا هي التي تفوت على الفلسطينيين فرصة استثمار وتعميق حالة الحرج الغربي مما تقوم به اسرائيل في الاراضي المحتلة في الظروف الراهنة، وحالة الانزعاج العربي مما يعتبر انحيازا امريكيا غير محدود لاسرائيل. ما اشبه اليوم بالبارحة لقد رأينا خلال حرب الخليج الثانية على العراق انه لم يكن ثمة دور عسكري او سياسي لاسرائيل في تلك الحرب، بل ان واشنطن التي ضغطت وقتها على حكومة اسحاق شامير، للامتناع عن الرد على الهجمات الصاروخية العراقية، ظلت تتحسب طوال الوقت من دخول العامل الاسرائيلي على خط المعركة وافساد التحالف الدولي. ثم وبعد انتهاء الحرب ركزت الادارات الامريكية على نحو لم يحدث من قبل جهودها لاقناع الاسرائيليين والعرب بالتوصل لاتفاقيات سلام لانهاء النزاع المستمر منذ اكثر من خمسين عاما، وطوال هذه الفترة التي امتدت عمليا من 1991 وحتى 2000 برزت اهمية اسرائيل، ليس من زاوية التحالف الاستراتيجي، وانما من زاوية مدى قدرتها على توفير الاستقرار والامن في المنطقة. اليوم يحدث شيء مماثل في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان في افغانستان، والتي تتم جوانب كثيرة منها في اطار تحالف يشبه من بعض الوجوه ذلك الذي قادته ضد العراق.فاسرائيل ممنوعة من المشاركة في هذا التحالف وهناك تحركات امريكية وبريطانية واوروبية جادة، للحيلولة دون ان يؤدي تفاقم الوضع في المناطق الفلسطينية الى التأثير على جهود الحرب في افغانستان من جهة، ومن جهة اخرى ضمان استمرار المساهمة العربية في هذه الحرب، وضمن هذا الاطار اعلن الرئيس الامريكي جورج بوش في الاسابيع القليلة الماضية عن تأييد اداراته لدولة فلسطينية، فضلا عن الضغوط الامريكية التي بدأت تمارس على الاسرائيليين مثلما على الفلسطينيين لخفض مستوى العنف والاستعداد للعودة الى طاولة المفاوضات.وفي هذا الاطار ايضا جاءت زيارة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لاسرائيل وعدد من الدول العربية بينها مناطق السلطة الفلسطينية، في محاولة لتأكيد التزام لندن بايجاد حل للمشكلة الفلسطينية، واثبات تعاطيها الجاد مع الشكاوى العربية. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون الآن هو: هل يمكن ان تشكل التحركات الغربية باتجاه احياء الاهتمام بالملف الفلسطيني الاسرائيل فرصة لتصحيح الاخطاء السابقة؟ وهل يجب على الفلسطينيين ان يتوقعوا تفهما غربيا افضل لقضيتهم، وتعاملا اكثر ايجابية مع مطالبهم العادلة من جانب هذه الحكومات؟ فرصة سانحة.. ولكن! اعتقد ان ثمة فرصة من هذا القبيل، لكنها ليست فرصة فريدة من نوعها، واذا لم نبالغ فإن هذه التحركات لا تعني تغييرا جوهريا في النظر الى النزاع، وهي لم تصل بأي حال من الاحوال الى مرحلة قطع التعهدات او الالتزامات. بمعنى ان الحديث الامريكي والبريطاني عن الدولة الفلسطينية، ودعوتهما اسرائيل للانسحاب من المناطق التي احتلتها في الاسابيع الاخيرة في الضفة الغربية، والكف عن سياسة الاغتيالات، لا يعني بالضرورة ان شيئا مهما سوف يحدث، او ان هذا الحديث ستتم ترجمته قريبا على الارض، كما انه لا يعني ان الدولتين سوف تفرضان بالضرورة على اسرائيل قبول المطالبة الفلسطينية والتي لا تزيد في الواقع عما قررته لهم الشرعية الدولية. هذا شيء لم يحدث في السابق، ولا يوجد ما يشير الى انه سوف يحدث اليوم ايضا. لكنه يعني ان الحكومات الغربية باتت تدرك على نحو متزايد بأن ايجاد ظروف حياة افضل للفلسطينيين، ومنحهم الحق في الامن والحياة الكريمة اسوة بالاسرائيليين، امر لم يعد هناك مفر منه.وتدرك هذه الحكومات ان الدعم غير المبرر الذي تحظى به السياسات الاسرائيلية الموجهة لقمع الفلسطينيين وحرمانهم من ابسط حقوقهم، لا يمكنه ان يثمر ظروفا سهلة لاستمرار الوجود الامريكي او البريطاني في المنطقة العربية، وان الضغوط الناجمة عن ذلك تزداد بالذات خلال الازمات والاحداث الكبرى التي تكون المنطقة طرفا بصورة مباشرة او غير مباشرة فيها. واذا اخذنا بعين الاعتبار ان الحرب ضد الارهاب التي اعلنتها الولايات المتحدة من المقرر حسب تصريحات المسئولين الامريكيين والبريطانيين ان تستمر اشهر وربما سنوات، فإن الحاجة الى ضمان الهدوء في المنطقة ستكون اكبر، وقد نشهد من ثم تدخلا امريكيا اكثر الحاحا في النزاع الفلسطيني الاسرائيلي. ولذا فإن المهم معرفة كيفية استثمار ذلك وتحويله الى مكاسب فلسطينية، تترجم على ارض الواقع، ان الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في شهر سبتمبر من العام الماضي، بدأت سلمية وذات طابع جماهيري، لكن سرعان ما طغت عليها العمليات الاستشهادية والتفجيرات والشعارات الدينية، ولايزال الكثيرون يتساءلون: ما الذي يمنع من ان تعود الانتفاضة لطابعها السلمي الجماهيري، وتعيد للكفاح ضد الاحتلال الاسرائيلي صبغته السياسية والمتمثلة في استعادة الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 . اعتقد ان شيئا من هذا القبيل بإمكانه ليس فحسب حشر الحكومة الاسرائيلية في الزاوية، وانما ايضا اجبار الاطراف الغربية على التعامل مع القضية الفلسطينية بكثير من المسئولية، التي ظلت مفتقدة حتى الآن. ـ كاتب من البحرين