التطور الذي شهدته امارات الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية لم تقتصر مظاهره على الحيز الوطني فحسب، بل انعكست ايضا على ممارسات الكثير من الجاليات المقيمة بيننا، وعملت على زيادة وعيها وادراكها بقواعد التعاطي مع واقع الحياة المعاصرة، الى حد ساهم في نقل بعض مفردات هذا التحضر الى بلدانهم. وان كانت معطيات التمدن قد خلقت نسيجاً اجتماعياً من مختلف الفئات بهدف دفع عجلة التنمية والازدهار، فإنها أثرت هذا النسيج بالقيم الاجتماعية الراسخة في مجتمع الامارات، وارتقت بمستواه المعرفي والثقافي عبر بنية تحتية متطورة تواكب العصر وتملي استخدام ادواته في شتى صور التعامل اليومي. ولعل مجتمع دولة الامارات انفرد عن الكثير من شعوب العالم سيما الغنية منها بنعمة اسبغها الله عليه وهي صاحب السمو رئيس الدولة الذي سابق الزمن لتحقيق كل ما تتطلع اليه أمته من آمال وطموحات بفضل قيادته الرشيدة، فمشاريع الهياكل الاساسية التي تمت احاطتها بمستوى راق من الخدمات، وما حققته الدولة من منجزات ملموسة على صعيد بناء الانسان والاهتمام بصحته وتعليمه وتوفر أرقى مؤسسات التعليم العام والخدمات العلاجية والوقائية له جعلتها مضرب المثل بين دول العالم المعاصر، وما المكانة المرموقة التي احتلتها الامارات في عالم اليوم إلا من واقع خبرتها وقدرتها على امتلاك وتسخير احدث تقنيات المعلومات الالكترونية لمواصلة خط الريادة، وهو الاقبال الذي تزامن مع موجة جارفة من الاهتمام من قبل الشركات الدولية والاقليمية والمحلية للتحول بسرعة نحو اعتماد التجارة الالكترونية في انشطتها وعملياتها بهدف مواكبة التطورات المتسارعة وتلبية متطلبات الاقتصاد الحديث. ان جل ما تحقق من تقدم روج لسمعة الدولة في المحافل العالمية وثبت لها موقع القمة بين دول العالم المعاصر، كما انعكست ايجابياته على المجتمع المحلي بالدولة، ودفع قدما بمستوى الحياة ولغة الشارع ومفاهيم التعايش في مجتمع متحضر. وما الحس الوطني العالي الذي يتمتع به ابناء الدولة، والتلاحم الشعبي الذي عرف عن المواطنين مع قيادتهم الا وفاء وتأييداً لهذا النهج الحكيم. وعلى الرغم من استعداد الدولة لتحقيق المستحيل من أجل خدمة القاطن بأقصى معايير الخدمات، تشذ فئة من المقيمين عن القاعدة ينقصها الوازع الاخلاقي والاجتماعي والمعرفي فتعبث بالمرافق والممتلكات العامة دون ادنى مسئولية، وهي ظواهر لا تغيب عن كثير من مدن ومناطق الدولة واينما توافرت الخدمات العامة، على الرغم من تلبية الحكومة جميع المتطلبات العصرية دون ضرائب، أو منغصات تعكر صفو الحياة الكريمة. فمثل هذا المحيط المتحضر لا يستحق منا إلا أن نرتقي بمفاهيمنا وقناعاتنا الى مستواه، لا ان نكرس السلوكيات الخاطئة وصورة البيئة التي قدمنا منها في كل قطر نرتحل اليه.