ماذا يترجى عرفات من الولايات المتحدة بعد ان انتقلت رسميا من التلميح الى التصريح، فدمغت الانتفاضة الوطنية الفلسطينية علنا بالارهاب، وبعد ان خرجت من دائرة الحرب، اللفظية ضد المنظمات النضالية الفلسطينية الى دائرة الحرب الفعلية، فقررت تجميد الاصول المالية لكل من «حماس» و«الجهاد الاسلامي» و«الجبهة الشعبية» وجناحها العسكري؟ يوم الجمعة الماضي قال ديفيد ساترفيلد نائب مساعد وزير الخارجية الامريكي ان الانتفاضة الفلسطينية «عملية مستمرة من الارهاب المحسوب» وفي اليوم التالي مباشرة، وكأنما كان تصريح المسئول الامريكي مقدمة لما سيأتي بعده، اعلن في كل من واشنطن ولندن عن قائمة تضم 25 منظمة من انحاء العالم تقرر تجميد اصولها المالية بعد ان صنفت كمنظمات ارهابية، ومن بين هذه المنظمات فصائل المقاومة الفلسطينية المشار اليها. وهكذا فإن التصريح وقرار التجميد مجتمعين يرقيان الى مستوى بدء اعلان حرب امريكية صريحة ضد المقاومة الشعبية الفلسطينية. بالطبع ليس جديداً ان تعتبر ادارة بوش كما فعلت ادارة كلينتون من قبلها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي ضربا من الارهاب الاجرامي. ولكن الى ان صدع ساترفيلد بالتسمية الصريحة للانتفاضة، كان المسئولون الامريكيون يحرصون على استخدام عبارات فضفاضة ومعممة. اما الجديد تماما فهو بالطبع اللجوء الى تجميد الاصول. وما يستخلص من هذا التطور هو ان منظمات المقاومة الفلسطينية اضحت في نظر واشنطن داخل تصنيف واحد مع تنظيم «القاعدة» الذي يتزعمه اسامة بن لادن. وهذا الاستخلاص يؤكد بأن القضاء على المنظمات الفلسطينية مدرج ضمن اهداف المرحلة الثانية للحملة الامريكية العالمية ضد الارهاب، بعد انتهاء الحرب ضد «القاعدة» وطالبان في افغانستان. لكن واشنطن تدرك مثلما تدرك اسرائيل ان تحقيق هذا الهدف رهين بتعاون استراتيجي من السلطة الوطنية الفلسطينية بأجهزتها الامنية وقوتها العسكرية الضاربة. ولو تحقق هذا التعاون فإن النتيجة سوف تكون في كل الاحوال لصالح اسرائيل، حتى لو لم تتمكن قوات السلطة الفلسطينية من الحاق هزيمة حاسمة بمنظمات المقاومة الشعبية القتالية. ففي كل الاحوال سوف ينهمك الشعب الفلسطيني بجميع فئاته في حرب اهلية عوضا عن استمرار المقاومة الوطنية ضد القوة الاحتلالية الاسرائيلية. تأسيسا على هذا التحليل نستطيع ان نتفهم فحوى تصريحات اضافية لنائب مساعد وزير الخارجية الامريكي ساترفيلد وردت بعدها تصريحات في نفس السياق لمسئول اسرائيلي. فالمسئول الامريكي اذ ينتقد ما يعتبره تراخيا من قبل الرئيس عرفات تجاه فصائل المقاومة، فإنه في الوقت نفسه يحرضه على مواجهتها، ويقول ساترفيلد ان الانتفاضة «التي دمغها بالارهاب» غيرت صورة عرفات داخل اسرائيل وعادت به الى «صورة ارهابي ومارق وعدو»! اما المسئول الاسرائيلي وهو «آفي بازنر» فقد اشاد بالقرار الامريكي لتجميد اصول «حماس» و«الجهاد» و«الجبهة الشعبية»، قائلا انه «يشكل خطوة مهمة لمكافحة الارهاب على الصعيد الدولي»! ماذا يترجى عرفات اذن من الولايات المتحدة اذا كان هدفها الاستراتيجي الاول، وربما النهائي، هو سحب البساط من تحت قدمي الرئيس الفلسطيني بحرمانه من القاعدة الشعبية التي بدونها لا يملك ورقة سياسية قوية لاجبار اسرائيل على الاقرار بالحقوق الشرعية الكاملة للشعب الفلسطيني؟ ان فلسطين التي لاتزال واقعة تحت سلطان قوة احتلالية اجنبية، لا تملك بطبيعة الحال ايا من اوراق الدولة المستقلة ذات السيادة، من قوات مسلحة كاملة الاعداد واقتصاد وطني. انها لاتزال تكابد مرحلة النضال الوطني لتحرير نفسها. وبهذه الصفة فإنها لا تملك إلا سلاح المقاومة الشعبية. وما تريده امريكا هو ببساطة تجريد القيادة الفلسطينية من هذا السلاح الاوحد.