اخطر ما طبع الاسبوع الاخير في ذاكرتنا العربية المتعبة كان «بساط القنابل» BOMBING CARPET الذي انجزته بنجاح مشكوك فيه طائرات ب 52 ذات المحركات الاربعة، ولما في ذاكرتي وذاكرة جيلي من ابناء المغرب العربي طنين عملاق مميز، لان طائرات ب 52 سبق ان دكتنا في مدينة بنزرت التونسية المجاهدة عام 1961 في ايام 18 و19 و20 و21 يوليو، حين وقف الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وقفة صامدة في وجه الجنرال شارل ديجول مطالبا قوات فرنسا الاستعمارية بالجلاء الكامل وبدون شروط عن ميناء بنزرت، وجاء جواب الحكومة الفرنسية سلبيا وهب شباب تونس متطوعاً للجهاد في سبيل الله والوطن، ثم رأينا لأول مرة هذه الطائرات الضخمة العجيبة ب 52 تلاحقنا بما يسمى كذلك «بساط القنابل» واذكر انني كنت طفلا مع اخوتي وامي الارملة نبحث عن مكان آمن خارج بساط القنابل كبقية التوانسة آنذاك. ثم دار الزمن دورته ورأينا نفس ال«ب 52» على شاشات التلفزيون بالابيض والاسود عام 1970 حتى 1974 تدك ادغال فيتنام بقنابل النابالم المحرمة دوليا والتي تحرق الاجساد والاخضر واليابس، حتى سماها الصحفي الامريكي بيار سالنجر «بساط جهنم» نفس الوجوه المحروقة لضحايا فيتنام نستعيد ذكراها ـ انما بالالوان على فضائياتنا ـ من خلال وجوه محروقة اخرى لضحايا افغانستان. العظمة أم القوة؟ كل هذه الذكريات والصور عادت مع عودة ال«ب52» الامريكية، ومع مقال الزميل الكويتي د. محمد الرميحي وهو صاحب قلم معطاء وكانت له بصماته على مجلة «العربي» لكنه في هذا المقال الاخير ارتكب حسب رأيي المتواضع خطأين اثنين في جملة واحدة ثم استنتج من الخطأين نصيحة لزعماء العرب والمسلمين جاءت هي الاخرى بالطبع خاطئة، لان ما يؤسس على خطأ هو خاطيء، اقرأوا معي حرفيا كلام د. الرميحي: «ذلك ان الذي استهدف هذه المرة «باعتداء 11 سبتمبر» هو اعظم دولة في العالم والفعل الارهابي الذي استهدفها هو فعل غير مسبوق لا في شكله ولا في طريقة تنفيذه ولا في حجم الدمار الذي خلفه، وهو دمار لم يقع فحسب في الابنية والمنشآت مهما بلغت كلفتها، بل لقد تمثل الوجع الاكبر في الدماء الغزيرة التي اهدرت كرامة اعظم دولة في التاريخ كله التي اهتزت واهتزت معها ارجاء العالم كله. الخطأ الاول هو نعت الولايات المتحدة الامريكية بأنها اعظم دولة في العالم، فأمريكا هي اعتى دولة في العالم وليست الاعظم، لأن عبارة العظيم والاعظم يظل لها في مخزوننا العربي الثقافي وفي ذاكرتنا الجماعية الاسلامية رنين خاص متصل بالقداسة. فالعظيم هو اسم من اسماء الله الحسنى، نذكره مقرونا بالألوهية في كل صلاة، ثم انه يشير الى اكثر من القوة والبأس والجبروت، لان العظمة ارتفاع وعلوّ تخالطهما مروءة ومقدرة. فهل قصد د. الرميحي كل هذه المعاني حينما يقول: اعظم دولة في العالم؟ لا بل ان امريكا قوة عسكرية ضاربة.. تفتقد البصيرة السياسية التي تتلاءم مع حجمها العملاق ماديا، وبالتالي تحتاج الى قوة اخلاقية تكبح جماح الغرائز الانتقامية، وهو ما ينتقده مفكرون امريكان منذ ان وضع المؤرخ الامريكي اموري دي ريانكور كتابه بعنوان «عصر القياصرة الجدد» المنشور عام 1957 بنيويورك وترجم الى عديد اللغات منها العربية، وتكهن الكاتب بتحول امريكا الى امبراطورية رومانية جديدة مرشحة الى التعملق بدون ضوابط والافراط في استعمال القوة مذكرا بأن الدول تخضع كالافراد الى قانون بيولوجي يجعلها تولد وتترعرع ويشتد عودها وتبلغ سن الرشد وتشيخ وتهرم وتموت. «ص 13 في الطبعة الفرنسية». ثم ان د. الرميحي في هذا الحكم القاطع لا يعتمد المنطق النسبي الذي يزين العلماء فالامبراطورية السوفييتية كان يمكن نعتها عام 1988 بأنها كذلك اعظم دولة في العالم، وكذلك الامبراطورية البريطانية حتى عقد الاربعينيات، وكذلك الامبراطورية العثمانية الى غاية عام 1924، وكذلك امبراطورية الرايخ الرابع الالماني الى غاية 1945. اين هذه الدول العظمى؟ وقد انهارت في دويّ او في صمت لتنفلق مْثلَ الحَبّ والنوى الى دول ودويلات وتندثر اندثاراً؟ هذا منطق الحضارة.. تداول عجيب على القوة والضعف، وكان من الاجدر بالزميل د. الرميحي الانطلاق من قاعدة فكرية اصلب لوزن «العظمة» بهذا الميزان.. لارفع الامبراطورية الامريكية الراهنة الى «عظمة» في المطلق. المقاومة والارهاب اما الخطأ الثاني فهو القول بأن الاعتداء الذي استهدفها هو فعل غير مسبوق لا في شكله ولا في طريقة تنفيذه، وهو اقرار مناف للواقع، لان العنف الذي انطلق ضد مدينتين يابانيتين عام 1945 ـ هيروشيما وناجازاكي ـ هو العنف النووي غير المسبوق، لا في شكله النووي ولا في طريقة تنفيذه الباردة واللاانسانية ـ وكان نتيجة ذلك العنف موت وتشويه واعاقة حوالي ثلاثة ملايين ضحية بريئة، اذا حسبنا التداعيات القائمة الى اليوم دون حساب الارض الخراب البلقع التي تركتها القنبلتان الى اجيال قادمة.. وانا اعلم ان د. الرميحي ابعد ما يكون عن الضحايا، وهو لا يمت بصلة الى كاساوامي الذي «نجا» من جحيم هيروشيما بحروق واعاقات بعد ان مات كل افراد اسرته وكان عمره ثماني سنوات عام 1945 وانجب اطفالا مشوهين لاذنب لهم، انها البربرية غير المسبوقة. وفي جحيم فيتنام كذلك.. ثلاثة ملايين ضحية بين قتلى ومعاقين في عدوان سافر دام عشر سنوات وغير مسبوق هو ايضا، وكذلك في فلسطين تلك الملحمة ـ المظلمة غير المسبوقة في التاريخ: احلال شعب دخيل مكان شعب اصيل، بقوة النار والحديد والبهتان الاعلامي المضلل. نحن ضد الارهاب الذي ضرب البرجين، وهو ارهاب اعمى لانه قتل آلاف الابرياء.. لكن لا ندعو الى ان نصبح زائدة دودية لسياسة امريكا الراهنة وهي سياسة غضب وانتقام ورد فعل غير مدروس تستعد لاقحام العرب في مغامرة ضد مقاومين شرعيين للاحتلال الاسرائيلي في فلسطين ومقاومين للاحتلال الهندي في كشيمر ومقاومين للاحتلال الروسي في الشيشان ومقاومين للاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان. وكيف يفسر لنا د. الرميحي هذه الصدف العجيبة التي جعلت كل المستهدفين بالحرب الامريكية مسلمين.. باسم الحرب ضد الارهاب ونحن ضحاياه ومدينوه ولاعنوه.. كيف «نغتنم» هذه الفرصة التي سماها د. الرميحي تاريخية لنركب موجة العنف بدون ضوابط ونتخلى عن كل مصالحنا ومبادئنا حتى دون تعريف واضح للارهاب. لقد وقفنا بصدق مع الكويت في محنتها عام 90 حسب مبادئنا لانها قضية حق ولم ننجرف مع تيارات الشعارات الجوفاء.. والآن امامنا سبل مشتبهة وطرق مضللة وشعارات اخرى جوفاء، وعلينا اعمال العقل وهو نعمة من الله. وأنا بودي ان اسأل الزميل د. الرميحي هل قرأ تصريحات مساعد وزير الخارجية الامريكي ديفيد ساترفيلد الاسبوع الماضي وهو يحشر كل فصائل فلسطين في زمرة الارهاب؟ وهل قرأ تقرير البنك المركزي الامريكي وهو يحشر المنظمات المجاهدة للاستعمار الاسرائيلي ضمن قائمة الارهاب.. وربما اجابني الزميل بأن هذه مجرد آراء.. لكن هل من مصلحة العرب ان نندرج فيها وننخرط؟ان نصائح الامريكي اليهودي المفكر المنصف ناحوم شومسكي والصحفي البريطاني روبرت فيسك للعرب نصائح صدق.. فأملي ان نستمع لها لانها اعقل وأقرب للحق، رغم انها قادمة من عقر ديارهم. ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر